المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 348
إليه يحشرون، وكذا في (31) و (35) ، إلّا أنّه جاء فيهما الأمر بالتّقوى دون الأمر بالعلم، كما وصف اللّه فيهما بمن يحشر إليه المؤمنون دون (28) على النّحو الآتي:
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.*
ولا يخفى أنّ في (28) تأكيدا بفعل الأمر وحرف التأكيد وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ، وهذا يفيد التّشدّد في الحشر وتأكيده، وأنّهم محشورون إليه لا محالة. ونظيره قوله:
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ البقرة: 223، وقال أبو حيّان في (31) :"هذا فيه تنبيه وتهديد، جاء عقيب تحليل وتحريم وذكر الحشر؛ إذ فيه يظهر من أطاع اللّه وعصى".
ب- قال الزّمخشريّ في (30) :"لوقوع اسم اللّه تعالى هذا الموقع مع تقديمه، وإدخال اللّام على الحرف المتّصل به شأن ليس بالخفيّ". وتعقّبه أبو حيّان بقوله:
"يشير بذلك إلى مذهبه من أنّ التّقديم يؤذن بالاختصاص، فكان المعنى عنده: فإلى اللّه لا غيره تحشرون. وهو عندنا لا يدلّ بالوضع على ذلك، وإنّما يدلّ التّقديم على الاعتناء بالشّي ء والاهتمام بذكره، كما قال سيبويه. وزاده حسنا هنا أنّ تأخّر الفعل هنا فاصلة، فلو تأخّر المجرور لفات هذا الغرض".
ج- ذكر حشر المتّقين خاصّة من المؤمنين في (36) متعدّيا ب (إلى) ، قال أبو حيّان:"عدّي (نحشر) ب إِلَى الرَّحْمنِ تعظيما لهم وتشريفا، وذكر صفة الرّحمانيّة الّتي خصّهم بها كرامة؛ إذ لفظ الحشر فيه جمع من أماكن متفرّقة وأقطار شاسعة على سبيل القهر، فجاءت لفظة (الرّحمن) مؤذنة بأنّهم يحشرون إلى من يرحمهم".
وقال الطّباطبائيّ:"ربّما استفيد من مقابلة قوله في هذه الآية (الى الرّحمن) قوله في الآية التّالية (الى جهنّم) أنّ المراد بحشرهم إلى الرّحمان حشرهم إلى الجنّة، وإنّما سمّي حشرا إلى الرّحمان، لأنّ الجنّة مقام قربه تعالى، فالحشر إليها حشر إليه".
ويلاحظ ثانيا: استعملت أغلب مشتقّات هذه المادّة أفعالا مجهولة متعدّية ب"إلى"لكلا الفريقين:
المؤمنين والكافرين في الحشر في الآخرة، وامتاز حشر المؤمنين عن حشر الكافرين بأنّ أفعاله مجهولة ومتعدّية ب (إلى) فقط، عدا حشر المتّقين في (36) ، فإنّ فعله جاء معلوما. وغلب على حشر المؤمنين تقدّم (إلى) على الفعل، عدا (36) و (39) ، فإنّه تأخّر فيهما عن الفعل.
وقد وجّه أبو حيّان تقدّم المعمول على عامله بقوله:
"للاعتناء بمن يكون الحشر إليه، ولتواخي الفواصل".
وثالثا: يحشر الكافرون يوم القيامة عميا، كما في (12) و (13) و (19) ، وزرقا في (14) وأفواجا من كلّ أمّة في (15) ، وجميعا في (17) و (20) و (25) . ولكنّ المتّقين يحشرون وفدا في (36) ، يجمعون إلى ربّهم الّذي غمرهم برحمته، وخصّهم برضوانه وكرامته، كما يفد الوفود على الملوك منتظرين للكرامة عندهم، كما قال الزّمخشريّ.