المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 375
1 -فسّروه بمعان، منها: تبيّن، ووضح، وانكشف، وبرز، وبان، وظهر، وثبت واستقرّ، وكلّ ذلك من قولهم: حصحصت التّراب، أي حرّكته وفحصته يمينا وشمالا، أو من: حصحص البعير إذا لزق ركبتيه في التّراب حين النّهوض حتّى يثبتا ويستقرّا فيه.
2 -قال الزّمخشريّ:"قرئ (حصحص) على البناء للمفعول، وهو من: حصحص البعير، إذا ألقى ثفناته للإناخة". والقراءة المشهورة أنسب للحال وأبين للمقال، لأنّ زليخا وقفت موقفا أبانت فيه الحقّ، وكشفت ما خفي من أمرها وأمر يوسف، ولا يستقيم ذلك إلّا بمعنى واضح ومعلوم مثل: (حصحص) ، وليس بمعنى مبهم ومجهول نحو"حصحص"، ولم يقرّه الخليل أيضا.
3 -جاءت (حصحص) وحيدة الجذر، فريدة المعنى، ونظيرها (دمدم) في قوله: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها الشّمس: 14، و (عسعس) : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ التّكوير: 17.
وقال ابن معصوم في باب الفرائد:"هذا النّوع يختصّ بالفصاحة دون البلاغة، لأنّه عبارة عن الإتيان بلفظة فصيحة، تتنزّل منزلة الفريدة من القصيدة، وهي الجوهرة الّتي لا نظير لها، تدلّ على عظم فصاحة المتكلّم وقوّة عارضته، وجزالة غريبته؛ بحيث لو أسقطت من الكلام عري من الفصاحة، كقوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، فلفظة (حصحص) فريدة يعسر على الفصحاء الإتيان بمثلها في مكانها".
ثانيا: أرجع الطّبريّ والزّجّاج والطّوسيّ (حصحص) إلى"ح ص ص"، فقال الطّبريّ:"أصل الحصّ استئصال الشّي ء، يقال منه: حصّ شعره، إذا استأصله جزّا، وإنّما أريد في هذا الموضع (حصحص الحقّ) ذهب الباطل والكذب فانقطع، وتبيّن الحقّ فظهر".
وقال الزّجّاج:"اشتقاقه في اللّغة من"الحصّة"، أي بانت حصّة الحقّ وجهته من جهة الباطل".
وهو مذهب ذهب إليه بعض اللّغويّين ومنهم ابن فارس، فقال في باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوّله باء:"اعلم أنّ للرّباعيّ والخماسيّ مذهبا في القياس يستنبطه النّظر الدّقيق؛ وذلك أنّ أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النّحت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظّ، والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرّجل، إذا قال: حيّ على".
ثالثا: ينبئ الفعل (حصحص) بصيغته أنّه يفيد المبالغة والزّيادة في الظّهور والبيان، قال الصّغانيّ:"الحصحصة: أن يلزق الرّجل بك ويلحّ عليك"، وقال ابن سيده:"رجل حصحص وحصحوص: يتتبّع دقائق الأمور فيعلمها ويحصيها، والحصحصة: بيان الحقّ بعد كتمانه وقد حصحص، ولا يقال: حصحص".
وكما أنّ (حصحص) فريد في معناه، فهو وحيد في لفظه كذلك، إذ كرّر فيه الحاء والصّاد على"فعلل"، وكلاهما حرف مهموس رخو، ويفوق الصّاد نظيره بأنّه من حروف الصّفير الّتي تتّصف بدرجة كبيرة من الرّخاوة والاتّساع، فتضافر اللّفظ والمعنى في صياغته.