فهرس الكتاب

الصفحة 7644 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 431

الحكم.

والثّاني: الّذين قالوا: الإحصار اسم لمطلق الحبس، سواء كان حاصلا بسبب المرض أو بسبب العدوّ. وعلى هذا القول حجّة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضا، لأنّ اللّه تعالى علّق الحكم على مسمّى الحصار، فوجب أن يكون الحكم ثابتا عند حصول الإحصار، سواء حصل بالعدوّ أو بالمرض.

وأمّا على القول الثّالث: وهو أنّ الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدوّ، فهذا القول باطل باتّفاق أهل اللّغة، وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدوّ بجامع دفع الحرج، وهذا قياس جليّ ظاهر. فهذا تقرير قول أبي حنيفة رضى اللّه عنه، وهو ظاهر قويّ.

وأمّا تقرير مذهب الشّافعيّ رضى اللّه عنه، فهو أنّا ندّعي أنّ المراد بالإحصار في هذه الآية: منع العدوّ فقط، والرّوايات المنقولة عن أهل اللّغة معارضة بالرّوايات المنقولة عن ابن عبّاس وابن عمر. ولا شكّ أنّ قولهما أولى لتقدّمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللّغة وفي معرفة تفسير القرآن، ثمّ إنّا بعد ذلك نؤكّد هذا القول بوجوه من الدّلائل:

الحجّة الأولى: أنّ الإحصار"إفعال"من الحصر، والإفعال تارة يجي ء بمعنى التّعدية نحو: ذهب زيد وأذهبته أنا، ويجي ء بمعنى: صار ذا كذا، نحو: أغدّ البعير إذا صار ذا غدة، وأجرب الرّجل إذا صار ذا إبل جربى.

ويجي ء بمعنى وجدته بصفة كذا، نحو: أحمدت الرّجل، أي وجدته محمودا. و"الإحصار"لا يمكن أن يكون للتّعدية، فوجب إمّا حمله على الصّيرورة أو على الوجدان.

والمعنى: أنّهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين.

ثمّ إنّ أهل اللّغة اتّفقوا على أنّ المحصور هو الممنوع بالعدوّ لا بالمرض، فوجب أن يكون معنى"الإحصار"هو أنّهم صاروا ممنوعين بالعدوّ، أو وجدوا ممنوعين بالعدوّ؛ وذلك يؤكّد مذهبنا.

الحجّة الثّانية: أنّ الحصر عبارة عن المنع، وإنّما يقال للإنسان: إنّه ممنوع من فعله، ومحبوس عن مراده، إذا كان قادرا عن ذلك الفعل متمكّنا منه، ثمّ إنّه منعه مانع عنه.

والقدرة: عبارة عن الكيفيّة الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء، وذلك مفقود في حقّ المريض، فهو غير قادر ألبتّة على الفعل، فيستحيل الحكم عليه بأنّه ممنوع، لأنّ إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضى.

أمّا إذا كان ممنوعا بالعدوّ فهاهنا القدرة على الفعل حاصلة، إلّا أنّه تعذّر الفعل لأجل مدافعة العدوّ، فصحّ هاهنا أن يقال: إنّه ممنوع من الفعل، فثبت أنّ لفظة"الإحصار"حقيقة في العدوّ، ولا يمكن أن يكون حقيقة في المرض.

الحجّة الثّالثة: أنّ معنى قوله: (احصرتم) أي حبستم ومنعتم، والحبس لا بدّ من حابس، والمنع لا بدّ له من مانع، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ومانعا، لأنّ الحبس والمنع فعل، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا، لأنّ المرض عرض لا يبقى زمانين، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا. وأمّا وصف العدوّ بأنّه حابس ومانع، فوصف حقيقيّ، وحمل الكلام على حقيقة أولى من حمله مجازا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت