فهرس الكتاب

الصفحة 7643 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 430

وللقوم أحاديث ضعيفة، وآثار عن السّلف أكثرها معنعن، وقد بيّنّا ذلك في"مسائل الخلاف".

المسألة الثّالثة عشرة: لا خلاف بين علماء الأمصار أنّ"الإحصار"عامّ في الحجّ والعمرة. وقال ابن سيرين:

لا إحصار في العمرة، لأنّها غير مؤقّتة.

قلنا: وإن كانت غير مؤقّتة، لكن في الصّبر إلى زوال العدوّ ضرر، وفي ذلك نزلت الآية وبه جائت السّنّة، فلا معدل عنها.

المسألة الرّابعة عشرة: إذا منعه العدوّ يحلّ في موضعه ولا قضاء عليه، وبه قال الشّافعيّ.

وقال أبو حنيفة: عليه القضاء، لأنّ اللّه سبحانه أوجب عليه ما استيسر من الهدي خاصّة، ولم يذكر قضاء. ومتعلّقهم أمران: أحدهما: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قضى عمرة الحديبيّة في العام الآخر.

قلنا: إنّما قضاها، لأنّ الصّلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين وإتماما للرّؤيا وتحقيقا للموعد، وهي في الحقيقة ابتداء عمرة أخرى، وسمّيت عمرة القضيّة، من المقاضاة لا من القضاء.

الثّاني: المعنى قالوا: تحلّل من نسكه قبل تمامه، فلم يكن بدّ من قضائه كالفائت والمفسد.

قلنا: الفاسد هو فيه ملوم، والفائت هو فيه منسوب إلى التّقصير، وهذا مغلوب، ولا فائدة في اتّباع المعنى، مع ما قلناه من ظاهر الآية. (1: 119)

ابن الجوزيّ: [نقل الأقوال ثمّ قال:]

والمعنى: فإن أحصرتم دون تمام الحجّ والعمرة فحللتم، فعليكم ما استيسر من الهدي. (1: 204)

الفخر الرّازيّ: [نقل كلام ثعلب المتقدّم في"النّصوص اللّغويّة"وأضاف:]

إذا عرفت هذا فنقول: اتّفقوا على أنّ لفظ"الحصر"مخصوص بمنع العدوّ إذا منعه عن مراده وضيّق عليه. أمّا لفظ"الإحصار"فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:

الأوّل: وهو اختيار أبي عبيدة وابن السّكّيت، والزّجّاج، وابن قتيبة، وأكثر أهل اللّغة، أنّه مختصّ بالمرض. قال ابن السّكّيت: يقال: أحصره المرض، إذا منعه من السّفر. وقال ثعلب في"فصيح الكلام": أحصر بالمرض، وحصر بالعدوّ.

والقول الثّاني: أنّ لفظ"الإحصار"يفيد الحبس والمنع، سواء كان بسبب العدوّ أو بسبب المرض، وهو قول الفرّاء.

والقول الثّالث: إنّه مختصّ بالمنع الحاصل من جهة العدوّ، وهو قول الشّافعيّ رضى اللّه عنه، وهو المرويّ عن ابن عبّاس وابن عمر، فإنّهما قالا: لا حصر إلّا حصر العدوّ.

وأكثر أهل اللّغة يردّون هذا القول على الشّافعيّ رضى اللّه عنه.

وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهيّة، وهي أنّهم اتّفقوا على أنّ حكم الإحصار عند حبس العدوّ ثابت.

وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة رضى اللّه عنه: يثبت، وقال الشّافعيّ: لا يثبت وحجّة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللّغة، لأنّ أهل اللّغة رجلان:

أحدهما: الّذين قالوا: الإحصار مختصّ بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط. وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصّا صريحا في أنّ إحصار المرض يفيد هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت