فهرس الكتاب

الصفحة 7646 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 433

الوجه الثّاني: أنّ الإحرام شرع لازم لا يحتمل النّسخ قصدا، ألا ترى أنّه إذا جامع امرأته حتّى فسد حجّه لم يخرج من إحرامه، وكذلك لو فاته الحجّ حتّى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدوّ، ولأنّ المريض لا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمنا من مرضه. وأمّا المحصر بالعدوّ فإنّه خائف من القتل إن قام، فإذا رجع فقد تخلّص من خوف القتل.

فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتّفسير.

القرطبيّ: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فيه اثنتا عشرة مسألة:

الأولى: قال ابن العربيّ: هذه آية مشكلة، عضلة من العضل.

قلت: لا إشكال فيها، ونحن نبيّنها غاية البيان، فنقول: الإحصار هو المنع من الوجه الّذي تقصده بالعوائق جملة، ف"جملة"أي بأيّ عذر كان، كان حصر عدوّ أو جور سلطان أو مرض، أو ما كان.

واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين:

الأوّل: قال علقمة وعروة ابن الزّبير وغيرهما: هو المرض لا العدوّ، وقيل: العدوّ خاصّة، قاله ابن عبّاس وابن عمر وأنس والشّافعيّ قال ابن العربيّ: وهو اختيار علمائنا ...

قلت: ما حكاه ابن العربيّ من أنّه اختيار علمائنا، فلم يقل به إلّا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا. وقالوا: الإحصار إنّما هو المرض، وأمّا العدوّ فإنّما يقال فيه: حصر حصرا فهو محصور، قاله الباجيّ في"المنتقى". [ثمّ نقل كلام الزّجّاج وأهل اللّغة في استعمال الحصر والإحصار وقال:]

قلت: ما ادّعته الشّافعيّة قد نصّ الخليل بن أحمد وغيره على خلافه. قال الخليل: حصرت الرّجل حصرا:

منعته وحبسته، وأحصر الحاجّ عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه. هكذا قال، جعل الأوّل ثلاثيّا من حصرت والثّاني في المرض رباعيّا. وعلى هذا خرّج قول ابن عبّاس: لا حصر إلّا حصر العدوّ.

وقال ابن السّكّيت: أحصره المرض، إذا منعه من السّفر أو من حاجة يريدها، وقد حصره العدوّ يحصرونه، إذا ضيّقوا عليه فأطافوا به، وحاصروه محاصرة وحصارا.

قال الأخفش: حصرت الرّجل فهو محصور، أي حبسته. قال: وأحصرني بولي وأحصرني مرضي، أي جعلني أحصر نفسي.

قال أبو عمرو الشّيبانيّ: حصرني الشّي ء وأحصرني، أي حبسني.

قلت: فالأكثر من أهل اللّغة على أنّ"حصر"في العدوّ، و"أحصر"في المرض. وقد قيل ذلك في قول اللّه تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ البقرة:

273. [ثمّ استشهد بشعر]

وقال الزّجّاج: الإحصار عند جميع أهل اللّغة إنّما هو من المرض، فأمّا من العدوّ فلا يقال فيه: إلّا حصر، يقال:

حصر حصرا، وفي الأوّل أحصر إحصارا، فدلّ على ما ذكرناه.

وأصل الكلمة من الحبس، ومنه الحصير: للّذي يحبس نفسه عن البوح بسرّه، والحصير: الملك لأنّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت