المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 441
أنّهم اختلفوا في علّة ذلك على قولين:
1 -كان عنّينا لا ماء له، ولم يكن معه إلّا مثل هدبة الثّوب، أو مثل الأنملة أو القذاة أو النّواة، وهو قول المتقدّمين من الصّحابة والتّابعين. و"حصور"على هذا القول"فعول"بمعنى"مفعول"، كأنّه محصور عنهنّ، أي ممنوع محبوس عنهنّ، ونظيره"ركوب"، أي مركوب، و"حلوب"أي محلوب.
2 -كان قادرا على الوطء، إلّا أنّه يمسك نفسه تقى وجلدا في طاعة اللّه، وهو قول المتأخّرين، كالبغويّ والزّمخشريّ وغيرهما. و"حصور"على ذلك"فعول"بمعنى"فاعل"، أي يحصر نفسه ويمنعها من الشّهوات.
قال البغويّ:"اختار قوم هذا القول لوجهين:"
أحدهما: لأنّ الكلام خرج مخرج الثّناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثّناء.
والثّاني: أنّه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء"."
خامسا: فسّروا (حصيرا) في (6) بمعنيين:
1 -السّجن والمحبس، وهو قول ابن عبّاس وقتادة وابن زيد، وإليه ذهب أغلب المفسّرين. وهو على هذا القول"فعيل"بمعنى"فاعل"من قولهم: حصرت الرّجل، أي حبسته، فأنا حاصر وهو محصور، وهذا حصيره، أي محبسه.
وقال أبو حيّان:"و الّذي يظهر أنّها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم، فحصير معناه ذات حصر؛ إذ لو كان للمبالغة لزمته التّاء، لجريانه على المؤنّث، كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنّه على معنى النّسب، كقوله:"
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ المزّمّل: 18، أي ذات انفطار"."
ويحتمل أن يكون"فعيلا"بمعنى"مفعول"من قولهم للملك"حصير": أي محصور محجوب عن النّاس، فعليه تكون جهنّم للكافرين موضعا محصورا.
2 -الفراش والمهاد، وهو قول الحسن، واختاره بعض كالطّبريّ، ووجّه هذا المعنى إلى القول: "لأنّ ذلك إذا كان كذلك، كان جامعا معنى الحبس والامتهاد، مع أنّ الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، وأنّها إذا أرادت أن تصف شيئا بمعنى حبس شي ء، فإنّما تقول: هو له حاصر أو محصر. فأمّا الحصير فغير موجود في كلامهم، إلّا إذا وصفته بأنّه: مفعول به، فيكون في لفظ"فعيل"ومعناه:"مفعول"به، ألا ترى بيت لبيد: "لدى باب الحصير"؟ فقال: لدى باب الحصير، لأنّه أراد لدى باب المحصور، فصرف"مفعولا" إلى"فعيل"فأمّا"فعيل"في الحصر بمعنى وصفه بأنّه الحاصر، فذلك ما لا نجده في كلام العرب، فلذلك قلت:"
قول الحسن أولى بالصّواب في ذلك"."