المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 440
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ البقرة: 273، وحصر، إذا حبسه عدوّ عن المضيّ أو سجن، ومنه قيل للحبس: الحصر، وهما بمعنى المنع من كلّ شي ء، مثل: صدّه وأصدّه"."
وذهب بعض إلى أنّ الإحصار والحصر سواء، واختلفوا في معناهما؛ فقال الواحديّ:"أصل الحصر والإحصار: الحبس، يقال: من حصرك هاهنا، ومن أحصرك"؟ وقال ابن عطيّة:"في المجمل لابن فارس:"
حصر وأحصر بالعدوّ. وقال الفرّاء: هما بمعنى واحد في المرض والعدوّ"."
2 -اتّفق الجمهور على أنّ هذه الآية نزلت سنة ستّ للهجرة في عمرة الحديبيّة حين صدّ المشركون المسلمين عن مكّة، ولكنّهم اختلفوا في حكمها، أهو في العدوّ أم المرض؟
قال الطّبريّ:"إنّما أنزل اللّه هذه الآية في حصر العدوّ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الّذي نزلت فيه".
وقال الجصّاص:"فإن قيل: لم تختلف الرّواة أنّ هذه الآية نزلت في شأن الحديبيّة، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ممنوعين بالعدوّ، فأمرهم اللّه بهذه الآية بالإحلال من الإحرام، فدلّ على أنّ المراد بالآية هو العدوّ. قيل له: لمّا كان سبب نزول الآية هو العدوّ، ثمّ عدل عن ذكر الحصر- وهو يختصّ بالعدوّ- إلى الإحصار الّذي يختصّ بالمرض، دلّ ذلك على أنّه أراد إفادة الحكم في المرض، ليستعمل اللّفظ على ظاهره".
قال ابن عطيّة:"و الصّحيح أنّ (حصر) إنّما هي فيما أحاط وجاور، فقد يحصر العدوّ والماء ونحوه ولا يحصر المرض. و (احصر) معناه جعل الشّي ء ذا حصر، كأقبر وأحمى وغير ذلك، فالمرض والماء والعدوّ وغير ذلك قد يكون محصرا لا حاصرا، ألا ترى أنّ العدوّ كان محصرا في عام الحديبيّة، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التّأويل".
ثالثا: اختلف في من أحصر وفي معنى الإحصار في (4) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ففيها بحثان.
1 -قالوا: المراد بالفقراء في هذه الآية هم فقراء المهاجرين، أو قوم أصابتهم جراحات مع النّبيّ فصاروا زمنى، أو الّذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التّصرّف، أو أهل الصّفّة حصروا أنفسهم في سبيل اللّه للغزو.
وسياق الآيات قبلها وبعدها يعمّ الجميع، بأن تصرف الصّدقات العامّة الّتي ينفقها النّاس في حاجات هؤلاء الفقراء عامّة.
2 -قالوا في معنى (احصروا) : حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه، وهو قول ابن عبّاس، أو حبسهم المشركون في المدينة، وهو قول السّدّيّ، أو منعهم الفقر من الجهاد، وهو قول ابن عبّاس أيضا، أو منعهم التّشاغل بالجهاد عن طلب المعاش.
وقال ابن عطيّة:"كأنّ هذه الأعذار أحصرتهم، أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا: قبّره: أدخله في قبره، وأقبره: جعله ذا قبر، فالعدوّ وكلّ محيط يحصر، والأعذار المانعة تحصر، بضمّ التّاء وكسر الصّاد، أي تجعل المرء كالمحاط به".
رابعا: اتّفقوا على أنّ (حصورا) في (5) وَسَيِّدًا وَحَصُورًا هو الّذي لا يغشى النّساء ولا يأتيهنّ، إلّا