المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 577
اليتيم.
2 -قال الآلوسيّ في (2) :"قرأ زيد بن عليّ رضي اللّه تعالى عنهما (و لا يحاضّ) - بالغيبة-: مضارع حاضضت"، ولم نعثر على أصل هذه القراءة في كتب المتقدّمين.
ثانيا: خوطب الكافرون بما كانوا يفعلونه في (3) ، وفيها بحثان:
1 -أخبر اللّه عن حال الجاهليّين في جاهليّتهم بأنّهم كانوا لا يكرمون اليتيم، ولا يتحاضّون على طعام المسكين، ويأكلون التّراث أكلا لمّا، ويحبّون المال حبّا جمّا. فوصفهم بوصفين في المجال الاجتماعيّ، وهما الأوّلان، وبوصفين في المجال الاقتصاديّ، وهما الأخيران اللّذان كانا الباعث على الاتّصاف بالوصفين الأوّلين.
2 -الأصل فيه"تتحاضّون"، فحذفت التّاء الأولى تخفيفا، وفيه قراءات: (تحاضّون) بضمّ التّاء من المحاضّة، و (تحضّون) بحذف الألف، و (يحضّون) بالياء وحذف الألف أيضا.
والفرق بينها أنّ حضّ أي بعث الغير على شي ء، ولم يذكر المفعول في القراءتين الأخيرتين. قال الآلوسيّ:"و الفعل على القراءتين جوّز أن يكون متعدّيا، ومفعوله محذوف، فقيل: أنفسهم، أو أنفسكم، وقيل: أهليهم وأهليكم، وقيل: أحدا. وجوّز- وهو الأولى- أن يكون منزلا منزلة اللّازم للتّعميم".
وقال أبو زرعة:"فهاهنا مفعول محذوف مستغنى عن ذكره، كقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ آل عمران: 110، أي تأمرون غيركم. وحذف المفعول هاهنا كالمجي ء به؛ إذ فهم معناه".
والحقّ أنّ كلّ فعل ركّز على معناه دون متعلّقه فهو بمنزلة اللّازم، وكم له نظير في صفات اللّه تعالى وغيرها في القرآن.
أمّا في الأوليين: (تحاضّون) - أي تتحاضّون- و (تحاذّون) فهما من باب التّفاعل أو المفاعلة، ومعناهما الاشتراك في الفعل، والمفعول مفهوم منهما، أي حضّ بعضهم بعضا، فلا حاجة لهما إلى مفعول.
وقد فرّق الفرّاء والطّبريّ بينهما، فقالا: (تحاضّون) بفتح التّاء أي يحضّ بعضكم بعضا، وبضمّ التّاء أي تحافظون، ولم نعرف سرّ هذا الفرق.
ثمّ إنّ قراءة الخطاب هي الموافقة لما قبلها:
لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، ولما بعدها: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ فهي أولى من قراءة الغيبة، اعتمادا على وحدة السّياق.
ثالثا: ربّما يسأل سائل ويقول: اشتهر العرب بالكرم والعطاء، فكيف يمنعون عطاءهم اليتيم، ويبخلون بإكرام المسكين؟ يقال له: يدخل ذلك في باب العموم والخصوص في وجه؛ إذ نزل ذلك في أفراد من أهل مكّة، فذكر مثلا أنّ سورة الماعون نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كلّ أسبوع جزورا، فطلب منه يتيم شيئا فقرعه بعصاه، وقيل: نزلت في غيره.
أو ذكر ذلك للتّهويل والتّشنيع لندرته في مجتمع الجزيرة العربيّة وغرابته، فأنكره القرآن وأزرى بمن قام به.
رابعا: الآيات الثّلاث مكّيّة، تحكي عن الجوّ