المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 578
الاجتماعيّ في مكّة، من شيوع الأيتام والمساكين فيها، على أثر الحروب المتوالية بين القبائل، ولعوامل أخرى، وقد اشتركت في أنّ لسانها ذمّ، وأنّ"الحضّ"فيها منفيّ، إدانة لكلّ من لا يحضّ على طعام المسكين، كما اشتركت اثنتان منهما (2 و 3) بضمّ الاهتمام بأمر اليتيم إلى طعام المسكين، مقدّما له على مسكين باختلاف في السّياق، فجاء في (2) دعّ اليتيم، وفي (3) عدم إكرامه، وذكر بدله في (1) : إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وعدم الإيمان باللّه مفهوم من (2 و 3) ، ولا سيّما من (1) : أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، وهو أصل كلّ مفسدة فرديّة واجتماعيّة، إضافة إلى الحرص على جمع المال، كما جاء في (3) : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا* وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا.
وقد ركّزت هذه الآيات على طعام المسكين الحاكي عن انتشار الجوع في مكّة، دون إعانة المسكين ونحوها، والجوع عبارة عن أشدّ المعيشة وأدناها. وقد جاء فيها بسياق واحد وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ مقارنة فيها بالعقاب الأخرويّ.
وقد لفّ به في (1) : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ* إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ* فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ* وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ* لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ الحاقّة: 30 - 37، مصرّحا بأنّ له طعام من غسلين جزاء لكونه لا يحضّ على طعام المسكين.
وأمّا في (2 و 3) فأخّر عنه العقاب مجرّدا عن مماثلته له، فجاء في (2) : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ... الماعون: 4 و 5، وفي (3) : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِي ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى الفجر: 21 - 23، لاحظ ط ع م:"طعام"، وس ك ن:"مسكين".