فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 667
وعمّمه الطّبريّ فقال:"لم يكن اللّه تعالى دلّ بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله ولا بحجّة عقل على أنّه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجّه ذلك إلى خاصّ من الحفدة دون عامّ، إلّا ما اجتمعت الأمّة عليه أنّه غير داخل فيهم، وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال الّتي ذكرنا عمّن ذكرنا وجه في الصّحّة ومخرج في التّأويل".
وقال ابن عطيّة أيضا:"يحتمل عندي أنّ قوله: مِنْ أَزْواجِكُمْ إنّما هو على العموم والاشتراك، أي من أزواج البشر جعل اللّه لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة، فمن لم تكن له قطّ زوجة، فقد جعل اللّه له حفدة، وحصل تحت النّعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتّب النّعمة الّتي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة"الحفدة"على مجراها في اللّغة، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة".
وردّ ابن عطيّة القول بأنّهم البنون فقال:"هذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما لو قال:"
جعلنا لهم بنين وأعوانا، أي ولهم أعوان، فكأنّه قال:
وهم حفدة"."
وضعّف البروسويّ قول من قال: الحفدة هم البنات، وعلّل ذلك بقوله:"لأنّ الخطاب- لكون السّورة مكّيّة- مع المشركين، وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الإخبار بالبنات، فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهنّ".
ولنا قول آخر سنتعرّض له ضمن تفسير الآية، وهو أنّ المراد بالبنين: الأولاد، وبالحفدة: أولاد الأولاد نسلا بعد نسل.
ثانيا: الحفيد: من الحفد، وهو ضرب من المشي دون الخبب، كما تقدّم، والخبب: ضرب من العدو، فكأنّ الحافد- مفرد الحفدة- يعدو حينما يعمل ويخدم، وهذا من ديدن الصّغار لا الكبار. فالحفدة: هم أولاد الأولاد، سواء كانوا ذكورا أم أناثا، ويدخل فيهم البنون الصّغار، وكذا الخفّ من الخدم على التّوسّع.
ثالثا: هذه الآية بدأت ب (اللّه) كآيتين قبلها، وبينها علاقة في اشتمالها على ذكر مراتب الخلقة وأطوارها.
فجاء في الأولى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ النّحل: 70.
وجاء في الثّانية: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ النّحل:
وجاء في الثّالثة: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ النّحل: 72.
فذكر في الأولى مراتب الحياة، وفي الثّانية مراتب الرّزق، وفي الثّالثة مراتب الأسرة من خلق الزّوجين من جنس واحد، ثمّ مراتب ما يولد منهما من البنين والحفدة، وهذا السّياق يقتضي أنّ"البنين"هم الأولاد و"حفدة"من يولد منهم في طول التّناسل، فأريد بها أولاد الأولاد نسلا بعد نسل، وهذا الوجه أمسّ بالسّياق من الوجوه الّتي ذكروها، فلاحظ وتأمّل.