فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 272
ويمكن الإجابة عن السّؤال الأوّل: أنّ المعيار كان جبران الخسارة، فينظر داود إلى أنّ الخسارة الّتي أصابت الكرم تعادل قيمة الأغنام، ولذلك حكم بوجوب إعطاء الأغنام لصاحب البستان جبرا للخسارة، لأنّ التّقصير من جانب صاحب الأغنام.
وينبغي الالتفات إلى أنّنا نقرأ في بعض الرّوايات: أنّ على صاحب الأغنام أن يمنع غنمه من التّعدّي على زرع الآخرين في اللّيل وفي النّهار، كما أنّ من واجب صاحب الزّرع حفظ زرعه.
أمّا معيار حكم سليمان فقد كان يرى أنّ خسارة صاحب البستان تعادل ما سينتفع به من الأغنام لسنة كاملة.
بناء على هذا فإنّ الاثنين قد قضيا بالحقّ والعدل، مع اختلاف أنّ حكم سليمان كان أدقّ، لأنّ الخسارة لا تدفع مرّة واحدة في مكان واحد، بل تؤدّى بصورة تدريجيّة بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضا. وإضافة إلى ما مرّ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران، لأنّ جذور النّباتات لم تكن قد زالت، بل ذهبت منافعها المؤقّتة، ولذلك فإنّ من الأعدل ألّا تنقل أصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان، بل تنقل منافعها فقط.
ونقول في جواب السّؤال الثّاني: لا شكّ أنّ حكم الأنبياء مستند إلى الوحي الإلهيّ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ وحيا خاصّا ينزل في كلّ مورد من موارد الحكم، بل إنّ الأنبياء يحكمون حسب القواعد الكلّيّة الّتي تلقّوها من الوحي.
بناء على هذا فإنّه لا توجد مسألة الاجتهاد النّظريّ بمعناها الاصطلاحيّ، وهو الاجتهاد الظّنّيّ، ولكن لا مانع من أن يكون هناك طريقان لإيجاد ضابطة كلّيّة، وأن يكون نبيّان كلّ منهما يرى أحد الطّريقين، وكلاهما صحيح في الواقع، وكان الموضوع الّذي عالجناه في بحثنا على سبيل الإتّفاق من هذا القبيل، كما بيّنّاه آنفا بتفصيل. وكما أشار القرآن إليه، فإنّ الطّريق الّذي اختاره سليمان كان أقرب من النّاحية التّنفيذيّة. وجملة:
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا والّتي ستأتي في الآية التّالية، شاهدة على صحّة كلا القضاءين.
ونقول في جواب السّؤال الثّالث: لا يبعد أن يكون الأمر على هيئة تشاور، وهو التّشاور الّذي يحتمل أن يكون لتعليم سليمان وتأهيله في أمر القضاء، والتّعبير ب (حكمهم) شاهد أيضا على وحدة الحكم النّهائيّ، بالرّغم من وجود حكمين مختلفين في البداية، فتأمّلوا بدقّة.
ونقرأ في رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام في تفسير الآية أنّه قال: لم يحكما، إنّما كانا يتناظران.
ويستفاد من رواية أخرى رويت في"أصول الكافيّ"عن الإمام الصّادق عليه السّلام: أنّ هذه القضيّة حدثت لتعيين وصيّ داود وخليفته، وأن يتعلّم أولئك النّفر منهما أيضا.
وعلى كلّ حال، فإنّ الآية التّالية تؤيّد حكم سليمان في هذه القصّة على هذه الشّاكلة: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، ولكن هذا لا يعني أنّ حكم داود كان اشتباها وخطأ، لأنّها تضيف مباشرة وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا