فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 271
من قبيل النّسخ ومتباينين، لقيل: وكنّا لحكمهما، أو لحكميهما، ليدلّ على التّعدّد والتّباين، ولم يقل: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ المشعر بوحدة الحكم، وكونه تعالى شاهدا له، الظّاهر في صونهم عن الخطإ. ولو كان داود حكم في الواقعة بحكم منسوخ لكان على الخطإ، ولا يناسبه أيضا قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وهو مشعر بالتّأييد، ظاهر في المدح.
وأمّا الثّاني وهو كون الحكمين عن اجتهاد منهما مع الجهل بحكم اللّه الواقعيّ، فهو أبعد من سابقه، لأنّه تعالى يقول: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وهو العلم بحكم اللّه الواقعيّ، وكيف ينطبق على الرّأي الظّنّيّ بما أنّه رأي ظنّيّ، ثمّ يقول: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا فيصدق بذلك أنّ الّذي حكم به داود أيضا كان حكما علميّا لا ظنّيّا، ولو لم يشمل قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا حكم داود في الواقعة، لم يكن وجه لإيراد الجملة في المورد. على أنّك سمعت أنّ قوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ لا يخلو من إشعار بل دلالة، على أنّ الحكم كان واحدا ومصونا عن الخطإ، فلا يبقى إلّا أن يكون حكمهما واحدا في نفسه، مختلفا من حيث كيفيّة الإجراء، وكان حكم سليمان أوفق وأرفق.
وقد وردت في روايات الشّيعة وأهل السّنّة ما إجماله، أنّ داود حكم لصاحب الحرث برقاب الغنم، وسليمان حكم له بمنافعها في تلك السّنة من ضرع وصوف ونتاج، ولعلّ الحكم كان هو ضمان ما أفسدته الغنم من الحرث على صاحبها، وكان ذلك مساويا لقيمة رقاب الغنم، فحكم داود لذلك برقابها لصاحب الحرث، وحكم سليمان بما هو أرفق منه؛ وهو أن يستوفى ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السّنة، والمنافع المستوفاة من الغنم كلّ سنة تعدل قيمتها قيمة الرّقبة عادة. فقوله:
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ أي واذكر داود وسليمان إذ حين يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إذ حين نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي تفرّقت فيه ليلا وأفسدته. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي لحكم الأنبياء.
وقيل: الضّمير راجع إلى داود وسليمان والمحكوم له، وقد عرفت ما فيه. وقيل: الضّمير لداود وسليمان، لأنّ الاثنين جمع، وهو كما ترى. شاهِدِينَ حاضرين نرى ونسمع، ونوقفهم على وجه الصّواب فيه.
فَفَهَّمْناها أي الحكومة والقضيّة سُلَيْمانَ وَكُلًّا من داود وسليمان آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا. وربّما قيل: إنّ تقدير صدر الآية: وآتينا داود وسليمان حكما وعلما إذ يحكمان إلخ. (14: 310)
مكارم الشّيرازيّ: [بعد بيان قصّة داود وسليمان قال:]
لكن تبقى هنا عدّة أسئلة مهمّة:
1 -ما ذا كان أساس ومعيار هذين الحكمين؟
2 -كيف اختلف حكم داود عن حكم سليمان؟ فهل كانا يحكمان على أساس الاجتهاد؟
3 -هل المسألة هذه كانت على هيئة تشاور في الحكم، أم أنّهما حكما بحكمين مستقلّين يختلف كلّ منهما عن الآخر؟