فهرس الكتاب

الصفحة 8361 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 270

أي عالمين، وقوله تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا ومقتضى وقوع الحكمين، في قضيّة واحدة وفي وقت واحد؛ إذ أنّ الحكمين لم يكونا عن وحي من اللّه، وأنّهما إنّما كانا عن علم أوتيه داود وسليمان، فذلك من القضاء بالاجتهاد. وهو جار على القول الصّحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام، ووقوعه في مختلف المسائل. [إلى أن قال:]

وإضافة"حكم"إلى ضمير الجمع باعتبار اجتماع الحاكمين والمتحاكمين.

وتأنيث الضّمير في قوله: فَفَهَّمْناها- ولم يتقدّم لفظ معاد مؤنّث اللّفظ- على تأويل الحكم في قوله تعالى: لِحُكْمِهِمْ بمعنى الحكومة أو الخصومة.

وجملة وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا تذييل للإحتراس، لدفع توهّم أنّ حكم داود كان خطأ أو جورا، وإنّما كان حكم سليمان أصوب. (17: 84)

الطّباطبائيّ: السّياق يعطي أنّها واقعة واحدة بعينها، رفع حكمها إلى داود، لكونه هو الملك الحاكم في بني إسرائيل، وقد جعله اللّه خليفة في الأرض، كما قال:

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ ص: 26، فإن كان سليمان يداخل في حكم الواقعة فعن إذن منه ولحكمة مّا، ولعلّها إظهار أهليّته للخلافة بعد داود. ومن المعلوم أن لا معنى لحكم حاكمين في واقعة واحدة شخصيّة، مع استقلال كلّ واحد منهما في الحكم ونفوذه.

ومن هنا يظهر أنّ المراد بقوله: إِذْ يَحْكُمانِ إذ يتناظران أو يتشاوران في الحكم، لا إصدار الحكم النّافذ، ويؤيّده كمال التّأييد التّعبير بقوله: إِذْ يَحْكُمانِ على نحو حكاية الحال الماضية، كأنّهما أخذا في الحكم أخذا تدريجيّا لم يتمّ بعد، ولن يتمّ إلّا حكما واحدا نافذا، وكان الظّاهر أن يقال: إذ حكما. ويؤيّده أيضا قوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ، فإنّ الظّاهر أنّ ضمير لِحُكْمِهِمْ للأنبياء، وقد تكرّر في كلامه تعالى أنّه آتاهم الحكم، لا كما قيل: إنّ الضّمير لداود وسليمان والمحكوم لهم؛ إذ لا وجه يوجّه به نسبة الحكم إلى المحكوم لهم أصلا، فكان الحكم حكما واحدا هو حكم الأنبياء.

والظّاهر أنّه ضمان صاحب الغنم للمال الّذي أتلفته غنمه، فكان الحكم حكما واحدا اختلفا في كيفيّة إجرائه عملا؛ إذ لو كان الاختلاف في أصل الحكم، لكان فرض صدور حكمين منهما بأحد وجهين:

إمّا بكون كلا الحكمين حكما واقعيّا للّه، ناسخا أحدهما- وهو حكم سليمان- الآخر- وهو حكم داود- لقوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ.

وإمّا بكون الحكمين معا عن اجتهاد منهما بمعنى الرّأي الظّنّيّ مع الجهل بالحكم الواقعيّ، وقد صدّق تعالى اجتهاد سليمان فكان هو حكمه.

أمّا الأوّل وهو كون حكم سليمان ناسخا لحكم داود، فلا ينبغي الارتياب في أنّ ظاهر جمل الآية لا يساعد عليه؛ إذ النّاسخ والمنسوخ متباينان، ولو كان حكماهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت