فهرس الكتاب

الصفحة 8365 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 274

إنّ حكم سليمان كان ناسخا لحكم داود، فقد حكم داود بما حكم به الأنبياء من قبله، ولكنّ اللّه أوحى إلى سليمان أن كلّ غنم نفشت في زرع، فليس لصاحب الزّرع إلّا ما خرج من بطونها، وقيل: إنّ داود أراد أن يعرّف بني إسرائيل أنّ سليمان وصيّه من بعده، فلم يختلفا في الحكم، لأنّ داود لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعيّ، بل في مجال إظهار موقع سليمان في النّبوّة، بالطّريقة الّتي توحي بالثّقة به.

ولكنّ الجوابين لا يخلوان من غموض، لأنّ النّسخ لا يمنع خطأ داود في حكمه، ولو بلحاظ هذه الحالة في هذا الزّمان، كما أنّ الظّاهر من الآية أنّهما كانا ينطلقان من منطلق واحد، فلا تباين ولا تعدّد أمام إظهار الخطإ ليبدو حكم سليمان في دائرة الصّواب، فهذا لا يتناسب مع طبيعة الواقع، باعتبار أنّ مجرّد اعتماد داود على سليمان ووضعه في موقع الحكم يمكن أن يؤدّي هذه المهمّة، من دون الإساءة إلى مقام داود، فإنّ مثل هذا الأسلوب يبعث على فقدان الثّقة بحكمه.

وربّما كان أساس الحكم واحدا في المسألة، وهو ضمان صاحب الغنم للزّرع، ولكن الاختلاف هو في طريقة تنفيذه، فحكم داود برقابها لصاحب الحرث، وحكم سليمان بما هو أرفق منه، وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السّنة، مع ملاحظة أنّ قيمة الزّرع تساوي قيمة رقاب الغنم، كما أنّ قيمة الرّقبة تساوي منافعها المستوفاة في كلّ سنة عادة. وبذلك لم يختلفا في حكم اللّه وإنّما اختلفا في إجرائه في الدّائرة الّتي يملكان فيها الحرّيّة في التّطبيق، في ما يكون مرجع الأمر فيه إلى رأي الحاكم في الموارد الّتي لا تشتمل على تشريع محدّد، كما في موارد التّعزيرات وأمثالها من التّفاصيل الّتي تقع في منطقة الفراغ التّشريعيّ، فيكون للحاكم أن يملأه بما يكون صالحا، وبذلك يكون تفهيم اللّه لسليمان المسألة، هو الإيحاء له بالأسلوب الأرفق في إجراء الحكم بالضّمان.

وقد لا يكون هناك أيّ مانع عقليّ في خطإ النّبيّ بهذا المستوى، إذا كان ذلك لمصلحة أخرى، في تربية نبيّ آخر على الحكم، وإظهار فضله، وإذا كان هذا النّبيّ الموعود ابنا للنّبيّ الأوّل، وخاضعا له ومعترفا بفضله، ممّا لا يبعث على الإساءة إليه. وقد لا يكون من الضّروريّ أن يكون في ذلك إساءة لموقعه لدى النّاس، لأنّ النّاس قد اعتادوا على اختلاف الحاكمين في الحكم، مع اعترافهم بأنّهما ينطلقان من علم ومعرفة، لا سيّما إذا لم يكن هناك تشريع محدّد في تفاصيل الحكم، بل كان الأمر تابعا لاجتهاد الحاكم وإن كان نبيّا.

وربّما لا نجد في أدلّة عصمة الأنبياء ما يفرض مثل هذه الدّقّة في صواب الحكم، في ما لا يؤدّي إلى ترك الحكم الواقعيّ، كما في مثل هذه الحالة الّتي جاء فيها الحكم على لسان سليمان، مع موافقة داود عليه، كما يبدو.

وإنّنا ندعو إلى دراسة المسألة من جديد، على مستوى البحث القرآنيّ من خلال ما صوّره القرآن، من الملامح العامّة لشخصيّة النّبيّ، في ما يؤكّد بشريّته، مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت