فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 454
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها الأعراف: 187.
المسألة الرّابعة: في الفوائد الّتي لأجلها جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها.
اعلم أنّ من الملاحدة من طعن في القرآن، لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنّكم تقولون إنّ تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام السّاعة، ثمّ إنّا نراه بحيث يتمسّك به كلّ صاحب مذهب على مذهبه، فالجبريّ يتمسّك بآيات الجبر، كقوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا الأنعام:
25، والقدريّ يقول: بل هذا مذهب الكفّار، بدليل أنّه تعالى حكى ذلك عن الكفّار في معرض الذّمّ لهم في قوله:
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ فصّلت: 5، وفي موضع آخر: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ البقرة: 88. وأيضا مثبت الرّؤية يتمسّك بقوله:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيمة: 22، 23، والنّافي يتمسّك بقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الأنعام: 103. ومثبت الجهة يتمسّك بقوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ النّحل: 50، وبقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: 5، والنّافي يتمسّك بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11. ثمّ إنّ كلّ واحد يسمّي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه:
متشابهة، وربّما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفيّة، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الّذي هو المرجوع إليه في كلّ الدّين إلى قيام السّاعة هكذا؟ أليس أنّه لو جعله ظاهرا جليّا نقيّا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض؟
واعلم أنّ العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها:
الوجه الأوّل: أنّه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحقّ أصعب وأشقّ، وزيادة المشقّة توجب مزيد الثّواب، قال اللّه تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ آل عمران: 142.
الوجه الثّاني: لو كان القرآن محكما بالكلّيّة لما كان مطابقا إلّا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلا لكلّ ما سوى ذلك المذهب، وذلك ممّا ينفّر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النّظر فيه، فالانتفاع به إنّما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كلّ مذهب أن يجد فيه ما يقوّي مذهبه، ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التّأمّل فيه كلّ صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسّرة للمتشابهات، فبهذا الطّريق يتخلّص المبطل عن باطله، ويصل إلى الحقّ.
الوجه الثّالث: أنّ القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه، افتقر النّاظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلّص عن ظلمة التّقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيّنة، أمّا لو كان كلّه محكما لم يفتقر إلى التّمسّك بالدّلائل العقليّة، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتّقليد.
الوجه الرّابع: لمّا كان القرآن مشتملا على المحكم