فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 455
والمتشابه، افتقروا إلى تعلّم طرق التّأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللّغة والنّحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة.
الوجه الخامس- وهو السّبب الأقوى في هذا الباب-: أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ بالكلّيّة، وطبائع العوامّ تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوامّ في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيّز ولا مشار إليه، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع في التّعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه ويتخيّلونه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدلّ على الحقّ الصّريح: فالقسم الأوّل- وهو الّذي يخاطبون به في أوّل الأمر- يكون من باب المتشابهات. والقسم الثّانى- وهو الّذي يكشف لهم في آخر الأمر- هو المحكمات. فهذا ما حضرنا في هذا الباب، واللّه أعلم بمراده. (7: 179)
نحوه النيسابوريّ. (3: 125)
الرّازيّ: فإن قيل: كيف قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ و (من) للتّبعيض، وقال في موضع آخر:
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود: 1، وهذا يقتضى كون جميع آياته محكمة؟
قلنا: المراد بقوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، أي ناسخات. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، أي منسوخات، وقيل: المحكمات: العقليّات، والمتشابهات:
الشّرعيّات. وقيل: المحكمات: ما ظهر معناها، والمتشابهات: ما كان في معناها غموض ودقّة. والمراد بقوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أنّ جميع القرآن صحيح ثابت، مصون عن الخلل والزّلل، فلا تنافي.
فإن قيل: كيف قال هنا: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ جعل بعضه متشابها، وقال في موضع آخر: كِتابًا مُتَشابِهًا وصفه كلّه بكونه متشابها.
قلنا: المراد بقوله: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ما سبق ذكره، والمراد بقوله: كِتابًا مُتَشابِهًا الزّمر: 23، أنّه يشبه بعضه بعضا في الصّحّة وعدم التّناقض، وتأييد بعضه بعضا، فلا تنافي؟
فإن قيل: ما فائدة إنزال المتشابهات بالمعنى الأخير، والمقصود من إنزال القرآن إنّما هو البيان والهدى، والغموض والدّقّة في المعاني ينافي هذا المقصود أو يبعده؟
قلنا: لمّا كان كلام العرب ينقسم إلى ما يفهم معناه سريعا، ولا يحتمل غير ظاهره، وإلى ما هو مجاز وكناية وإشارة وتلويح- والمعاني فيه متعارضة متزاحمة. وهذا القسم هو المستحسن عندهم، والمستبدع في كلامهم- نزل القرآن بالنّوعين تحقيقا لمعنى الإعجاز، كأنّه قال:
عارضوه بأيّ النّوعين شئتم فإنّه جامع لهما.
وأنزله اللّه عزّ وجلّ محكما ومتشابها ليختبر من يؤمن بكلّه، ويردّ علم ما تشابه منه إلى اللّه فيثيبه، ومن يرتاب فيه ويشكّ وهو المنافق فيعاقبه، كما ابتلى عباده بنهر طالوت وغيره.