فهرس الكتاب

الصفحة 8553 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 461

والهدى، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتّشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولا لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدلّ على معان لا تحتمل غيرها، أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتدّ به، وذلك كقوله:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ الأنبياء: 23، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ البقرة:

185، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة: 205، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى النّازعات: 40، وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها، فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التّفريع.

والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي الّتي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلّ منها هو المراد. ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحّة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض. أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة، أو غير مناسبة لأن تكون مرادا، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية في ما أرى.

وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء. [ثمّ نقل قول ابن عبّاس وابن مسعود وأضاف:]

وللجمهور مذهبان: أوّلهما: أنّ المحكم: ما اتّضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر اللّه بعلمه، ونسب هذا القول لمالك، في رواية أشهب، من"جامع العتبيّة"، ونسبه الخفاجيّ إلى الحنفيّة، وإليه مال الشّاطبيّ في"الموافقات".

وثانيهما: أنّ المحكم: الواضح الدّلالة، والمتشابه:

الخفيّها، وإليه مال الفخر. فالنّصّ والظّاهر هما المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظّاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدّلالة وإن كان أحدهما، أي المؤوّل دالّا على معنى مرجوح يقابله معنى راجح، والمجمل دالّا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطّريقة إلى الشّافعيّة.

قال الشّاطبيّ: فالتّشابه: حقيقيّ وإضافيّ، فالحقيقيّ:

ما لا سبيل إلى فهم معناه، وهو المراد من الآية، والإضافيّ: ما اشتبه معناه، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر. فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشّريعة وجد فيها ما يبيّن معناه، والتّشابه بالمعنى الحقيقيّ قليل جدّا في الشّريعة، وبالمعنى الإضافيّ كثير.

وقد دلّت هذه الآية على أنّ من القرآن محكما ومتشابها، ودلّت آيات أخر على أنّ القرآن كلّه محكم، قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود: 1، وقال:

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يونس: 1، والمراد أنّه أحكم وأتقن في بلاغته. كما دلّت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه، قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا الزّمر: 23، والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقّيّة، وهو معنى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا النّساء: 82، فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت