فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 460
فيه بسبب شبهه لغيره، ثمّ أطلق على كلّ ملتبس مجازا، وإن كان ظاهر الأساس أنّ المعنيين حقيقتان فيه.
ولا شكّ أنّ القرآن يصحّ أن يوصف كلّه بالمحكم وبالمتشابه من حيث هو متقن ويشبه بعضه بعضا فيما ذكر، والتّقسيم في هذه الآية مبنيّ على استعمال كلّ من المحكم والمتشابه في معنى خاصّ، ولذلك اختلف فيه المفسّرون على أقوال: [ثمّ نقل عشرة أقوال، أربعة من الفخر، وستّة من الطّبريّ، وأضاف:]
وقال الأستاذ الإمام في معنى المتشابهات: التّشابه إنّما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقا، كما قال المفسّر: الجلال ووصف التّشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها، أي إنّك إذا تأمّلت في هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللّفظ، لا يجد الذّهن مرجّحا لبعضها على بعض.
وقالوا أيضا: إنّ المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للّفظ الدّالّ عليه ونفيه عنه، متساويان، فقد تشابه فيه النّفي والإثبات، أو ما دلّ فيه اللّفظ على شي ء والعقل على خلافه، فتشابهت الدّلالة، ولم يمكن التّرجيح كالاستواء على العرش، وكون عيسى روح اللّه وكلمته، فهذا هو المتشابه الّذي يقابله المحكم الّذي لا ينفي العقل شيئا من ظاهر معناه.
أمّا كون المحكمات هنّ أمّ الكتاب فمعناه أنهنّ أصله وعماده أو معظمه، وهذا ظاهر لكنّه لا ينطبق إلّا على بعض الأقوال.
وقال الأستاذ الإمام: إنّ معنى ذلك أنّها هي الأصل الّذي دعي النّاس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرّع غيرها، وإليها يرجع. فإن اشتبه علينا شي ء نردّه إليها، وليس المراد بالرّدّ أن نؤوّله، بل أن نؤمن بأنّه من عند اللّه، وأنّه لا ينافي الأصل المحكم الّذي هو أمّ الكتاب، وأساس الدّين الّذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الّذي لا يحتمل غيره، إلّا احتمالا مرجوحا. مثال هذه المتشابهات، قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: 5، وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: 10، وقوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ النّساء: 171.
هذا رأي جمهور المفسّرين وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنّه لا متشابه في القرآن إلّا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب. (3: 163)
ابن عاشور: قد أشارت الآية: إلى أنّ آيات القرآن صنفان: محكمات وأضدادها الّتي سمّيت متشابهات، ثمّ بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات، ثمّ أعقب ذلك بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... ، أي تأويله الّذي لا قبل لأمثالهم به، فعلمنا أنّ المتشابهات هي الّتي لم يتّضح المقصود من معانيها، فعلمنا أنّ صفة المحكمات، والمتشابهات، راجعة إلى ألفاظ الآيات. ووصف المحكمات بأنّها أمّ الكتاب، فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل، أو المرجع، وهما متقاربان، أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه، وليس يناسب هذين المعنيين إلّا دلالة القرآن؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد