فهرس الكتاب

الصفحة 8555 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 463

في كلّ زمان لفهم تشريع الشّارع ومقصده من التّشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التّشريعيّة. ولو صيغ لهم التّشريع في أسلوب سهل التّناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحيّة عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم، تبعا لاختلاف مراتب العصور.

فإذا علمت هذا، علمت أصل السّبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن. وبقي أن نذكر لك مراتب التّشابه وتفاوت أسبابها، وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب:

أولاها: معان قصد إيداعها في القرآن، وقصد إجمالها: إمّا لعدم قابليّة البشر لفهمها، ولو في الجملة، إن قلنا بوجود المجمل، الّذي استأثر اللّه بعلمه على ما سيأتي، ونحن لا نختاره. وإمّا لعدم قابليّتهم لكنه فهمها، فألقيت إليهم على وجه الجملة، أو لعدم قابليّة بعضهم في عصر، أو جهة، لفهمها بالكنه. ومن هذا أحوال القيامة، وبعض شؤون الرّبوبيّة، كالإتيان في ظلل من الغمام، والرّؤية، والكلام، ونحو ذلك.

وثانيتها: معان قصد إشعار المسلمين بها، وتعيّن إجمالها، مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات، كحروف أوائل السّور، ونحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: 5، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ البقرة: 29.

ثالثتها: معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللّغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرّب معانيها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات اللّه نحو الرّحمان، الرّؤوف، المتكبّر، نور السّماوات والأرض.

رابعتها: معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور، وأودعت في القرآن، ليكون وجودها معجزة قرآنيّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النّظميّ، نحو قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يس: 38، وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ الحجر: 22، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ الزّمر: 5، وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ النّمل: 88، تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ المؤمنون: 20، زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ النّور: 35، وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ هود: 7، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فصّلت: 11، وذكر سدّ يأجوج ومأجوج.

خامستها: مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب، إلّا أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب اللّه تعالى، لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهيّة، وتوقّف فريق في محملها تنزيها، نحو: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا الطّور: 48، وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ الذّاريات: 47، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الرّحمن: 27.

وسادستها: ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الّذين نزل القرآن بينهم: قريش والأنصار، مثل:

وَفاكِهَةً وَأَبًّا عبس: 31، ومثل: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ النّحل: 47، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ التّوبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت