فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 466
وعلى هذا يكون المتشابه بالنّسبة إلى العالم واضحا، ولكن بعد البحث والاستقصاء، وعمليّة الموازنة والمقارنة بين المتشابه، وبين ما يتّصل به من القرائن والدّلائل. أجل، يبقى المتشابه على إشكاله بالنّسبة إلى الجاهل الّذي لا يجوز له أن يؤوّل، أو يأخذ بظاهر يقبل التّخصّص أو النّسخ.
وخلاصة القول: أنّ العلماء يعلمون معاني القرآن، وهو بلاغ مبين بالنّسبة إليهم، إذ لا يجوز بحال أن ينزل اللّه كلاما لا معنى له، أو لا يفهمه أحد، حتّى العلماء، كيف؟ وقد أمر اللّه بتدبّر القرآن، ولا يكون التّدبّر والتّعقّل إلّا للمعقول، والّذي لا يفهم لا يمكن تدبّره وتعقّله.
وتسأل: أنّ اللّه قد وصف كتابه العزيز بأنّ آياته كلّها محكمة، قال عزّ من قال في الآية: 1، من سورة هود: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، وأيضا وصف كتابه بأنّ آياته كلّها متشابهة، قال في الآية: 23، الزّمر، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا، وأيضا وصف كتابه بأنّ بعض آياته محكمة، وبعضها متشابهة، قال في الآية الّتي نحن بصددها:"هو الذى نزل اليك الكتاب"الآية، فما هو طريق الجمع بين هذه الآيات؟
الجواب: أنّ المراد بقوله تعالى: أُحْكِمَتْ آياتُهُ أنّها أحكمت في النّظم والإتقان، وأنّها جميعا فصيحة اللّفظ صحيحة المعنى، والمراد بقوله: كِتابًا مُتَشابِهًا إنّ بعضه يشبه بعضا، في البلاغة والهداية.
قال أمير المؤمنين [عليه السّلام] :"القرآن ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض".
والمراد بقوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ... وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أنّ بعضها واضح المعنى لا يحتاج إلى التّفسير، وبعضها غامض يحتاج فهمه إلى تفسير، والتّفسير يحتاج إلى المعرفة والعلم بالصّناعة، كما أشرنا، فلا تهافت بين الآيات الثّلاث بعد اختلاف الجهة، فهي أشبه بقول القائل: أحبّ السّفر، ولا أحبّ السّفر، ثمّ أوضح مراده بقوله: أحبّ السّفر برّا، ولا أحبّه بحرا.
الطّباطبائيّ: [بحث طويلا، ثمّ لخّصه بما يلي:]
وقد ظهر من جميع ما تقدّم من الأبحاث على طولها أمور:
الأوّل: أنّ الآيات القرآنيّة تنقسم إلى قسمين:
محكم ومتشابه، وذلك من جهة اشتمال الآية وحدها على مدلول متشابه، وعدم اشتمالها.
الثّاني: أنّ لجميع القرآن محكمه ومتشابهه تأويلا، وأنّ التّأويل ليس من قبيل المفاهيم اللّفظيّة، بل من الأمور الخارجيّة، نسبته إلى المعارف والمقاصد المبيّنة نسبة الممثّل إلى المثال، وأنّ جميع المعارف القرآنيّة أمثال مضروبة للتّأويل الّذي عند اللّه.
الثّالث: أنّ التّأويل يمكن أن يعلمه المطهّرون وهم راسخون في العلم.
الرّابع: أنّ البيانات القرآنيّة أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها، وهذا المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثّاني من كون معارفه أمثالا، وقد أوضحناه فيما مرّ.