فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 468
كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ الرّوم: 10، وقال: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ التّوبة: 77.
والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة، تدلّ الجميع على أنّ العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات- وهي العلوم المخالفة للحقّ- ما يناسبه.
وقال تعالى- وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصّالح والعلم النّافع-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فاطر: 10، فبيّن أنّ شأن الكلم الطّيّب وهو الاعتقاد الحقّ أن يصعد إلى اللّه تعالى، ويقرّب صاحبه منه. وشأن العمل الصّالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد. ومن المعلوم أنّ ارتفاع العلم في صعوده إنّما هو بخلوصه من الشّكّ والرّيب، وكمال توجّه النّفس إليه، وعدم تقسّم القلب فيه وفي غيره، وهو مطلق الشّرك، فكلّما كمل خلوصه من الشّكّ والخطوات اشتدّ صعوده وارتفاعه.
ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك، فإنّها عبّرت في الكلم الطّيّب بالصّعود، ووصف العمل بالرّفع، والصّعود يقابل النّزول كما أنّ الرّفع يقابل الوضع، وهما أعني الصّعود والارتفاع وصفان يتّصف بهما المتحرّك من السّفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين، فهو صاعد بالنّظر إلى قصده العلوّ واقترابه منه، ومرتفع من جهة انفصاله من السّفل وابتعاده منه. فالعمل يبعّد الإنسان ويفصله من الدّنيا، والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التّعلّق بزخارفها الشّاغلة، والتّشتّت والتّفرّق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية. وكلّما زاد الرّفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطّيّب، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشّكوك.
ومن المعلوم أيضا كما مرّ أنّ العمل الصّالح ذو مراتب ودرجات: فلكلّ درجة من العمل الصّالح رفع الكلم الطّيّب، وتوليد العلوم والمعارف الحقّة الإلهيّة على ما يناسب حالها، والكلام في العمل الطّالح ووضعه الإنسان، نظير الكلام في العمل الصّالح ورفعه، وقد مرّ بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الحمد: 6.
فظهر أنّ للنّاس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى، مراتب مختلفة من العمل والعلم، ولازمه أن يكون ما يتلقّاه أهل واحدة من المراتب والدّرجات، غير ما يتلقّيه أهل المرتبة والدّرجة الأخرى الّتي فوق هذه أو تحتها، فقد تبيّن أنّ للقرآن معاني مختلفة مترتّبة.
وقد ذكر اللّه سبحانه أصنافا من عباده، وخصّ كلّ صنف بنوع من العلم والمعرفة لا يوجد في الصّنف الآخر:
كالمخلصين، وخصّ بهم العلم بأوصاف ربّهم حقّ العلم، قال تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الصّافّات: 159، 160، وخصّ بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم، سيجي ء بيانها إن شاء اللّه تعالى.
وكالموقنين، وخصّ بهم مشاهدة ملكوت