فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 471
منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك، ولا تقدّر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين"."
أقول: قوله عليه السّلام:"و اعلم يا عبد اللّه أنّ الرّاسخين في العلم"إلخ ظاهر في أنّه عليه السّلام أخذ الواو في قوله تعالى:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ للاستئناف دون العطف، كما استظهرناه من الآية، ومقتضى ذلك، أنّ ظهور الآية لا يساعد على كون الرّاسخين في العلم عالمين بتأويله، لا أنّه يساعد على عدم إمكان علمهم به، فلا ينافي وجود بيان آخر يدلّ عليه- كما تقدّم بيانه- وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمّة أهل البيت كما سيأتي.
وقوله عليه السّلام:"الّذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة دون الغيوب"خبر"إنّ"، والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الرّاسخين في العلم، بالاعتراف بالجهل فيما جهله، فيكون منهم، وهذا دليل على تفسيره عليه السّلام الرّاسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه، ولم يتعدّ إلى ما جهله. والمراد بالغيوب المحجوبة بالسّدد، المعاني المرادة بالمتشابهات المخفيّة عن الأفهام العامّة، ولذا أردفه بقوله ثانيا:"فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره"، ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله، فافهم.
وفي"الكافي"عن الصّادق عليه السّلام:"نحن الرّاسخون في العلم ونحن نعلم تأويله".
أقول: والرّواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، معطوفا على المستثنى في قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، لكنّ هذا الظّهور يرتفع بما مرّ من البيان، وما تقدّم من الرّواية، ولا يبعد كلّ البعد أن يكون المراد بالتّأويل هو المعنى المراد بالمتشابه، فإنّ هذا المعنى من التّأويل المساوق لتفسير المتشابه، كان شائعا في الصّدر الأوّل بين النّاس. وأمّا قوله عليه السّلام:"نحن الرّاسخون في العلم"وقد تقدّم في رواية للعيّاشيّ عن الصّادق عليه السّلام قوله:"و الرّاسخون في العلم هم آل محمّد". وهذه الجملة مرويّة في روايات أخر أيضا، فجميع ذلك من باب الجري والانطباق، كما يشهد بذلك ما تقدّم ويأتي من الرّوايات.
وفي"الكافي"أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام إلى أن قال:"يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين، إنّهم قالوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ آل عمران: 8، علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه."
ومن لم يعقل عن اللّه، لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها، ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا، وسرّه لعلانيته موافقا، لأنّ اللّه عزّ اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل، إلّا بظاهر منه وناطق عنه"."
أقول: قوله عليه السّلام:"لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه"، في معنى قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فاطر: 28، وقوله عليه السّلام:"و من لم يعقل عن اللّه"إلخ، أحسن بيان لمعنى الرّسوخ في العلم، لأنّ الأمر ما لم يعقل حقّ التّعقّل لم ينسدّ طرق الاحتمالات فيه، ولم