المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 42
-ولم يثبت إسناده-"ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت".
وخامسا: تعقيبا لهذا وإكبارا لإيذائه تكرّر"الإيذاء"في آية التّوبة: 61، والأحزاب: 53.
وسادسا: لعلّ التّعبير في الآيتين عن نبيّنا مرّة بلفظ"النّبيّ"وأخرى بلفظ"رسول اللّه"فيه أيضا نوع من الإكبار لإيذاء النّبيّ والتّشديد في اللّوم على من ارتكبه.
وسابعا: بنفس السّبب جاء إيذاء النّبيّ مقرونا باللّه وتلوا له: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي أنّ إيذاءه سوف يكون إيذاء اللّه تعالى قبل أن يكون إيذاء الرّسول، وهذا غاية التّعظيم له، كما أنّ حبّه حبّ اللّه وعداوته عداوة اللّه، وطاعته طاعة اللّه ومبايعته مبايعة اللّه.
وثامنا: أنّ الآيات الّتي جاءت بشأن إيذاء النّبيّ والمؤمنين كلّها مدنيّة، وحازت سورة الأحزاب السّهم الأوفى من ذلك، فقد ذكر الإيذاء أربع مرّات في ثلاث آيات منها. وهذا إن دلّ على شي ء يدلّ على شدّة آلام النّبيّ ومحنه في المدينة، ولا سيّما في الآونة الّتي نزلت فيها سورة الأحزاب، وكانت غزوة الأحزاب آخر حرب أثارتها قريش على النّبيّ، وقد بلغت عداوتهم له وإيذاؤهم إيّاه أوجها.
وتاسعا: في الآيات إيماء إلى أنواع الإيذاء الّتي تحمّلها النّبيّ والمؤمنون من البهتان والإهانة والإخراج من الدّيار والقتل وإثارة الفتن وغيرها.
وعاشرا: في آيتي العنكبوت، والأعراف: (11 و12) ،- وهما مكّيّتان- عتاب للمؤمنين الّذين يشكون من الأذى، فقوم موسى منّوا على موسى بأنّهم أوذوا من قبل أن يأتيهم موسى ومن بعدما جاءهم: ومن المؤمنين بالنّبيّ من جعل عذاب النّاس كعذاب اللّه. وهذه آية النّفاق أو دليل على نقص في الإيمان.
وأمّا المؤمنون حقّا فبدل أن يشكوا من الأذى ويمنّوا بذلك على الأنبياء، يستقبلون الأذى ويعالجونه بالالتجاء إلى الصّبر والتّوكّل، ويقفون في وجه الأعداء معلنين إيّاهم بقولهم: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا تلك عشرة كاملة وهناك مزيد لمن تدبّر.
3 -الأذى بعد الإنفاق:
1 -الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...
البقرة: 262
2 -قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ البقرة: 263
3 -يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ البقرة: 264
يلاحظ أوّلا: أنّ الإنفاق والصّدقة لا أجر لهما مع الأذى بل الأذى يبطلهما، وأنّ قولا معروفا خير من صدقة يتبعها أذى مهما كان الأذى والصّدقة.
وثانيا: أنّ الأذى في الآيات يعمّ الأذى المادّيّ والمعنويّ للإطلاق والعموم وفقد الموجب للاختصاص، إلّا أن تعدّ مقارنته بالمنّ في آيتين، ومقابلته بقول معروف والمغفرة في آية، شاهدا على أنّه أريد به الأذى المعنويّ.