فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 43

وثالثا: كما يعمّ الكثير والقليل، فقليل الأذى يبطل الكثير من الصّدقة، وقليل من قول معروف ومغفرة خير من كثير من الصّدقة يتبعها أذى.

ورابعا: ضمّ الأذى بالمنّ في آيتين وجاء تاليا له، علما بأنّ المنّ نوع من الأذى النّفسيّ، وفيه إشعار بأنّ المنّ قبل كلّ شي ء إيذاء لمن أنفقت عليه، وأنّه يضادّ تلك النّفسيّة الطّيّبة الّتي بعثتك على الإنفاق، فالإنفاق نشأ عن حبّ الخير وحبّ الغير، وإيثاره على النّفس والتّخلّي عن التّعلّق بالمال، وأمّا المنّ والأذى فمنبعثان عن حبّ النّفس وشدّة علاقتها بالمال وتأسّفها على إنفاقه، فإتباع الصّدقة بالمنّ والأذى يعتبر رجوعا في الصّدقة واستمرارا لتلك العلاقة المادّيّة، وتخلّيا عن تلك الرّوح الطّيّبة الّتي تظاهر بها من وراء الصّدقة رياء.

وخامسا: للتّأكّد من ذلك عقّبه بقوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...

فالمرائي الّذي توسّل إلى مطامعه بالعمل الصّالح يكاد يكون فاقدا للإيمان باللّه واليوم الآخر.

وسادسا: بذلك ننتهي إلى أنّ الّذي أبطل صدقته بالمنّ والأذى يكاد يخرج وينخلع عن ربقة الإيمان.

4 -الأذى في مجال الأحكام:

1 -يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

الأحزاب: 59

2 -وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا

النّساء: 16

3 -وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا الأحزاب: 48

4 -فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... البقرة: 196

5 -وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ... البقرة: 222

6 -وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ... النّساء: 102

يلاحظ أوّلا: أنّ الحذر والتّحفّظ عن أذى الآخرين مطلوب مرغوب فيه، وقد جعل في"1"إدناء النّساء عليهنّ الجلابيب كوسيلة للوصول إليه، وكعلامة على أنّهنّ مؤمنات، حرائر، عفيفات، فلا يؤذين، وتشملهنّ رحمة اللّه وغفرانه.

وثانيا: الإيذاء في"2"جاء مأمورا به تعزيرا وتأديبا على الفاحشة بالشّتم والسّبّ كما في التّفاسير، وذلك قبل نزول آية الجلد في سورة النّور.

وثالثا: في"3"منع النّبيّ عن أذى المنافقين والكافرين في مرحلة محدّدة إمهالا لهم ليتوبوا أو ليظهروا بواطنهم فيعرفوا فيؤخذوا بأشقّ الأحوال، وذلك مرفوع بآيات الجهاد، وبالتّشديد على المنافقين في مثل سورة التّوبة النّازلة في غزوة تبوك، وقد ميّز اللّه فيها المؤمنين عن المنافقين تماما.

ورابعا: في الثّلاث الأخيرة جاء الأذى إمّا علّة للحكم كما في"5": قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت