المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 557
النّحر بالحرم كما قال بعض، أو محلّه للمحصر حيث أحصر كما قال به آخرون. وعطفها غيره على جملة وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، والمعنى لا تحلّوا من إحرامكم حتّى يبلغ الهدي محلّه. فهذا حال لغير المحصورين، والآية ساكتة عن حكم المحصورين.
وقد احتجّ أصحاب الرّأي الأوّل بتأخّر"الإحصار"عن إتمام الحجّ في الآية، فعطف عليه لقربه من جملة وَلا تَحْلِقُوا. واحتجّ أصحاب الرّأي الثّاني بحلق النّبيّ وأصحابه وذبحهم خارج الحرم، لمّا حصرتهم قريش عن الدّخول إليه عام الحديبيّة. [لاحظ ح ل ل:"محلّه"]
2 -قال أبو حيّان:"في قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ مجاز في الفاعل وفي المفعول: أمّا في الفاعل ففي إسناد الحلق إلى الجميع، وإنّما يحلق بعضهم رأس بعض، وهو مجاز شائع كثير، تقول: حلقت رأسي، والمعنى أنّ غيره حلقه له. وأمّا المجاز في المفعول، فالتّقدير: شعر رؤوسكم، فهو على حذف مضاف".
3 -قال الفخر الرّازيّ:"في الآية حذف، لأنّ الرّجل لا يتحلّل ببلوغ الهدي محلّه، بل لا يحصل التّحلّل إلّا بالنّحر، فتقدير الآية: حتّى يبلغ الهدي محلّه وينحر، فإذا نحر فاحلقوا".
ثانيا: جاء التّحليق في (2) حالا للدّاخلين، أي دخول المسجد الحرام محلّقين بعد إتمام الحجّ، وفيها بحوث:
1 -قال الطّبرسيّ:"أي محرمين يحلق بعضكم رأسه ويقصّر بعض، وهو أن يأخذ بعض الشّعر. وفي هذا دلالة على أنّ المحرم بالخيار عند التّحلّل من الإحرام، إن شاء حلق وإن شاء قصّر".
2 -قال القرطبيّ:"التّحليق والتّقصير جميعا للرّجال، ولذلك غلّب المذكّر على المؤنّث، والحلق أفضل، وليس للنّساء إلّا التّقصير".
3 -قال الآلوسيّ:" (محلّقين) حال- ك (امنين) - من الواو المحذوفة، لا لتقاء السّاكنين، من قوله: (لتدخلنّ) ، إلّا أنّ (امنين) حال مقارنة وهذا مقدّرة، لأنّ الدّخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتّقصير. وجوّز أن يكون حالا من ضمير (امنين) ، والمراد: محلّقا بعضكم رأس بعض ومقصّرا آخرون، ففي الكلام تقدير، أو فيه نسبة ما للجزء إلى الكلّ. والقرينة عليه أنّه لا يجتمع الحلق- وهو معروف- والتّقصير، وهو أخذ بعض الشّعر، فلا بدّ من نسبة الكلّ منهما لبعض منهم".
ثالثا: الآيتان كلاهما مدنيّتان تحملان التّشريع الخاصّ بالمدنيّة.