المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 650
القدرة.
وعندنا أنّ حلول الغضب بهم سواء كان حقيقة أو مجازا دالّ على اللّزوم والقرار، مثل استقرار شي ء في شي ء، فيفيد التّأكيد البليغ من غير فرق بين القراءتين.
وكذلك حلول العذاب تأكيد للزومه.
الموضع الثّالث الحلول في المكان ونحوه، وآياته صنفان: صنف من باب الإفعال صريح في هذا المعنى، وصنف من المجرّد مردّد بينه وبين غيره.
والصّنف الأوّل آيتان: (43 و44) إحداهما: فضل من اللّه للمؤمنين في الجنّة، والأخرى: هلاك من قبل النّاس للكافرين في النّار، فكلتاهما وصف للدّار الآخرة.
فالأولى حكاية قول أهل الجنّة بعد دخولها:
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ فاطر:
والأخرى وصف لأهل النّار من الّذين أحلّوا قومهم دار البوار: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ إبراهيم 28 و29. وفيهما بحوث:
1 -قال الطّبرسيّ (3: 312) :"الإحلال وضع الشّي ء في محلّ إمّا بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام، أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض". وحيث إنّ الإحلال في الآيتين تعلّق بالمؤمنين والكافرين، وبالجنّة والنّار، فالإحلال فيهما من قبيل وضع الأجسام بمجاورة، لا من قبيل وضع الأعراض بمداخلة، وإن شئت قلت- نظرا إلى ما تقدّم في معنى الحلول-: إنّه في الآيتين حقيقة، وليس مجازا.
2 -وكيف كان الأمر فالإحلال فيهما دالّ على النّزول اللّازم الّذي لا يزول، ويومئ إليه دارَ الْمُقامَةِ في الأولى، وبِئْسَ الْقَرارُ في الثّانية، أي كلّ من الفريقين مستقرّ في الدّارين قرارا لازما ودائما.
3 - (احلّ) فيهما متعدّ إلى مفعولين، والمفعول الأوّل فيهما ضمير (نا) و (قومهم) ، والمفعول الثّاني (دار) مضافة إلى (المقامة) و (البوار) ، فكلّ من الفريقين ينزل في دار تناسبه. فالدّاران تختلفان وتضادّان نعمة ونقمة، وراحة وعذابا، حسب حال الفريقين.
4 -أمّا الفاعل للفعل (احلّ) فمتفاوت تماما أيضا كالمفعولين، فهو في الأولى الضّمير الرّاجع إلى (الّذي) أو هو وصف للّه ربّهم الموصوف بأنّه أذهب عنهم الحزن، وأنّه غفور شكور، وفي الثّانية الضّمير الرّاجع إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا.
5 -سياق الأولى نقلا عن المؤمنين حمد وثناء وشكر للّه وتفضّل منه عليهم، ونفي للنّصب واللّغوب عنهم، وسياق الثّانية عكس الأولى تماما، فهي إنذار من اللّه للكافرين وتبديل نعمة اللّه وكفران وكفر منهم وبوار، وقرار في جهنّم لهم.
6 -لاحظ حسن أدب الفريق الأوّل في جنب اللّه؛ حيث يحمدون اللّه على نعمائه ويصفونه بأنّه غفور