المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 59
بل هي في هذا الحال أعرف الأشياء لديه، فلا بلاغة في تنكيرها.
على أنّ تنكير (مآرب) يفيد التّعميم والإطلاق، فيشمل كلّ حاجة، ويذهب بذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن، في حال أنّ الإربة بثبوتها وصمودها كأنّها شخّصت في واحد بعينه، لا تتجاوزه فجاءت معرفة.
وثالثا: تعتيم المقصود من (مآرب) باستعمال لفظة (أخرى) وهي لفظة تجريديّة غير دالّة على شي ء محدّد وجه من بلاغة التّعبير، ودعم لفائدة التّعميم، ولمّا كانت (مآرب) بغية مجهولة مبهمة يسعى إليها للحصول عليها من دون تحديدها في الذّهن، فهو سعي إلى واحد بين أرقام، ورمية من غير رام. فلهذه النّكتة عوملت معاملة المفرد، فوصفت بما هو في الأصل دالّ على الفرد المؤنّث وهو (أخرى) في مثل قولك: مسألة أخرى، ومسائل أخر. فإذا وحّدت تلك المسائل وحجّمتها وأنزلتها منزلة مفرد مجهول ضئيل، كان لك أن تصفها بلفظة"أخرى"بدل"أخر"وعند الطّبرسيّ- كما سبق- ليوافق رؤوس الآي، قال:"فنصّ على اللّازم، وكنّي عن العارض"واللّازم هو الموصوف:"المآرب"والعارض هو الصّفة: (اخرى) .
ورابعا: اختيار لفظة (مآرب) على (إربة) ونحوها، وهي كما قلنا جمع مأرب، بمعنى الحاجة لعلّه- واللّه أعلم- أنّها شبيهة بمآريب جمع مأروب- لو كان مستعملا عند العرب- أي ما يحتاج إليه الإنسان، وهو المقصود في الآية. ولهذا فسّرها بعضهم بالمنافع، فوضع مآرب مكان مآريب، أو هو مخفّف عنه، أو أنّ المصدر الميميّ جاء بمعنى اسم المفعول؛ فالمأرب بمعنى ما يرغب فيه ويحتاج إليه، كما أنّ"المأثم"ما يأثم به الإنسان.
وخامسا: اختيار القرآن لفظ (اولى الاربة) على غيره، فيه عناية إلى أنّ رغبة الرّجل إلى المرأة شديدة، فتبدّلت إلى شعور وحاجة غريزيّة لا يتحاشى الرّجل عن إظهارها أمام المرأة، بما في ذلك من ذلّة وحقارة له توجب الرّيبة، ومن هنا ففي (الاربة) معنى"الرّيبة"كما جاء في الفقه:"نظر الرّيبة".
وبين اللّفظين اشتراك جذريّ"أرب، ريب"بما بين الهمزة والياء من علاقة تأصيل وتأثيل في لغة العرب قياسها وسماعها، وبخاصّة في باب الإعلال الصّرفيّ.
وإذا ما أفدنا من نظريّة التّقاليب، أي الاشتقاق الأكبر، عند ابن جنّيّ، ولاحظنا أنّ (اولى الاربة) يمكن أن يقع في دائرة الرّيب إن كشفت المرأة عن زينتها أمام الرّجل، أدركنا جمال اختيار (الإربة) على غيره.
ولا سيّما إذا لاحظنا أنّ في هذا التّعبير استثارة دخيلة الإنسان لأن ينفّذ الحكم الشّرعيّ، لأنّ ذوي الإربة هم ذوو ريب غالبا، وخصوصا في تلك الحال، أي حين تعرض أمامهم محاسن المرأة وزينتها؛ فمثل هذا الرّجل إذا سمع لفظة"الإربة"استيقظ له معنى"الرّيب"للتّشابه اللّفظيّ والتّلازم المعنويّ. وفيه إيقاظ له وتنبّه بطريق غير مباشر، ليرغب عن الإثم والمعصية، ويتّجه بشطر التّقوى والطّاعة.