فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 58

فيهنّ. علم المقصود بهذا التّحديد، وأنّها حاجة لاصقة بعضو خاصّ، فيحاكي لفظ الإربة الرّغبة الجنسيّة، كما يحاكي العضو الخاصّ، حتّى أنّها قد تطلق على هذا العضو نفسه، لأنّه هو كلّ شي ء في تلك الحاجة، فهو رأس الدّاء والدّواء.

2 -ومن جهة أخرى فإنّ مادّة"أرب"من الأضداد الّتي تطلق على الشّي ء ونقيضه، في سيرها اللّغويّ وتقلّبها الجذريّ حسب نظريّة الاشتقاق الأكبر. فمن تقلّباتها"أبر- ربأ- برأ"وكلّها دالّ على الخروج من الشّي ء والانقطاع عنه والعلوّ عليه.

وبضدّها"رأب- أرب- بأر"الدّالّة على الدّخول في الشّي ء ووصل بعضه ببعض، وادّخاره أيضا والمحافظة عليه. ومن هذا الضّدّ يظهر أنّ"أرب"دالّ على الرّغبة في الشّي ء والحرص عليه ومحاولة امتلاكه. ومنه يؤخذ"الأرب"وهو العقل.

وبالنّظر لكون أجلّ الرّغبات في البيئة الصّحراويّة تتمثّل في غريزة المحافظة على النّوع، أطلق على العضو الخاصّ"الإرب"على ماورد في الحديث:"أملككم لإربه"كما فسّره ابن فارس وغيره.

3 -ومن الأرب بمعنى الحاجة والرّغبة تظهر المأربة، فالمآرب، مثلّثة الرّاء، وأصلها على زنة"مفاعل"بفتح الميم وكسر العين، لأنّه مصدر ميميّ. وإنّما ثلّثت الرّاء في مأربة- سماعا وبحسب لغات القبائل- لكونها ناشئة عن تلوّن الحاجات واختلافها، وبذلك تلتقي لفظة مآرب بلفظة الأرب والإربة؛ من حيث دلالتها جميعا على الحاجة والرّغبة.

الاستعمال القرآنيّ

ورد منه في القرآن لفظان (مارب) في سورة مكّيّة، و (الاربة) في سورة مدنيّة:

1 -قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى طه: 18

2 -وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ النّور: 31

يلاحظ أوّلا: أنّه جاء بلفظ الجمع في المكّيّة؛ حيث التّفرّق والفوضى في المجتمع، والفساد في العقيدة والأخلاق، والتّعدّد في الآلهة. وجاء بلفظ المفرد في المدنيّة، حيث الوحدة والانتظام في المجتمع، والتّوحيد في العقيدة.

مضافا إلى أنّ موسى عليه السّلام- وهو صاحب العصا- كانت له مآرب شتّى في عصاه، فهي موجّهة إلى أغراض مختلفة. وأمّا الرّجل ذو الإربة إلى النّساء، الّذي طغى عليه سلطان الشّهوة فلا همّ له إلّا النّساء، فهمومه صارت همّا واحدا تركّز فيهنّ.

وثانيا: تلائما وتلاحما مع ما ذكر تماما جاءت (مآرب) نكرة؛ حيث تعدّدت الحاجات والرّغبات، فتشتّت واختلطت وتنكّرت، فلم يعرف بعضها من بعض، فضعفت الهموم وصغرت في نفس موسى، فليس له اهتمام بالغ لها.

وأمّا الإربة إلى النّساء فإنّها حاجة معروفة، مطلوب تنفيذها بأيّ حال مهما كلّف صاحبها، فلا يغفل عنها الرّجل، وهو في عنفوان الشّباب وغليان الباه والشّهوة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت