المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 701
بالحلم والرّشد على سبيل الاستهزاء- يعنون به أنّه موصوف بضدّهما، وهو الجهالة والغيّ- ليس بصواب"."
2 -سبق (الحليم) قرينه (الرّشيد) وتقدّم عليه، خلافا لسائر الصّفات المتقدّمة، عدا الآيتين (10) و (11) المكّيّتين، وهذه الآية مكّيّة أيضا وليس للرّويّ دخل في التّقديم والتّأخير فيها. كما امتازت هذه الآية على سائر الآيات بمجي ء صفتيها بالألف واللّام أيضا.
وهذا يؤيّد شهرته بهما، وأنّهم عوّلوا على ذلك في قولهم مؤكّدا: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
ج- إبراهيم في (18) و (19) : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وإِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ وفيهما بحثان:
1 -فسّر الحليم هنا بالسّيّد، والممهل على وجه حسن، والواسع العقل، المستقيم الخلق، القويّ القلب، الرّزين الصّبر، وصابر محتمل، عظيم العقل، والّذي يصفح عن الذّنوب، ويصبر على الأذى، والّذي لا يستفزّه الغضب، ولا يعبث به الطّيش، ولا يستخفّه الجهل أو هوى النّفس.
2 -اقترنت بلفظ الحليم في (19) صفتان: أَوَّاهٌ مُنِيبٌ خلافا لجميع الآيات، وتقدّم عليهما أيضا مثلما تقدّم في سائر السّور المكّيّة. لاحظ أوه:"اوّاه".
د- إسحاق في (20) : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ وفيها بحثان أيضا:
1 -قال الكرمانيّ:"في الذّاريات: 28 (و بشّروه بغلام عليم) ، وكذلك في الحجر: 53 (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) ، لأنّ التّقدير: بغلام حليم في صباه، عليم في كبره."
وخصّت هذه السّورة ب (حليم) لأنّه عليه السّلام حليم، فاتّقاه وأطاعه وقال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ الصّافّات: 102.
والأظهر أنّ الحليم إسماعيل، والعليم إسحاق، لقوله: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها الذّاريات: 29، قال مجاهد: العليم والحليم في السّورتين إسماعيل، وقيل: هما في السّورتين إسحاق، وهذا عند من زعم أنّ الذّبيح إسحاق". لاحظ"إسماعيل، وإسحاق"."
2 -قال الميبديّ:"قيل: ما أثنى اللّه عزّ وجلّ في القرآن على بشر بالحلم إلّا على إبراهيم وابنه، وخصّت هذه السّورة ب (حليم) - دون عليم- لأنّه عليه السّلام حلم وانقاد وأطاع، وقال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ الصّافّات: 102".
ثانيا: لم يستعمل فعل من هذه المادّة خلافا للرّؤيا؛ حيث جاءت منها أفعال في سورتي يوسف والصّافّات، كما سيأتي في"رأي"، وكأنّ الرّؤيا أوسع أفقا من الحلم، وأقرب إلى الحقّ منه.
ثالثا: جاءت في سياق المدح وصفا للّه تعالى أو لأنبيائه 15 مرّة وأكثرها مدنيّة، وفي سياق التّشريع في سورة مدنيّة أيضا مرّتين، وثلاث مرّات في سياق الذّمّ في ثلاث سور مكّيّة. فسبعة منها مكّيّة، وواحدة وهي سورة الحجّ مردّدة بين المكّيّ والمدنيّ، والباقي- وهي 12 سورة- مدنيّ. ويستشعر منها أنّ المؤمنين في حالة القدرة والغلبة- وهي دورهم في المدينة- كانوا أمسّ حاجة إلى الحلم. واللّه تعالى أعلم.