المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 700
لا ينافي ذلك الوعيد والإنذار.
ولا يصحّ أن يكون سببا للجرأة والاغترار، فإنّ الحليم هو الّذي لا تستفزّه المعصية إلى التّعجيل بالعقوبة.
وليس في الحلم شي ء من معنى العفو والرّحمة، فكأنّه يقول: لا يغرّنّ الطّامع في الاعتداء، وأكل الحقوق تمتّع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل، فينسى علم اللّه تعالى بحقيقة حالهم ووعيده لأمثالهم، فيظنّ أنّهم بمفازة من العذاب، فيتجرّأ على مثل ما تجرّؤوا عليه من الاعتداء.
ولا يغرّنّ المعتدي نفسه تأخّر نزول الوعيد به، فيتمادى في المعصية بدلا من المبادرة إلى التّوبة، لا يغرّنّ هذا وذاك تأخير العقوبة، فإنّه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمال من العجز أو عدم العلم. وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنّه يترك له وقتا للتّوبة والإنابة بالتّأمّل في بشاعة الذّنب وسوء عاقبته، فإذا أصرّ المذنب على ذنبه، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشدّ من عقاب السّفيه على البادرة عند حدوثها"."
ب- شعيب في (17) : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ وفيها بحثان:
1 -قال الزّمخشريّ:"أرادوا بقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السّفه والغيّ، فعكسوا ليتهكّموا به كما يتهكّم بالشّحيح الّذي لا يبضّ حجره، فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل معناه: إنّك للمتواصف بالحلم والرّشد في قومك، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به".
وذكر الفخر الرّازيّ وجها آخر، فقال:"كان مشهورا عندهم بأنّه حليم رشيد، فلمّا أمرهم بمفارقة طريقتهم، قالوا له: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ المعروف الطّريقة في هذا الباب، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممّن كان موصوفا بالحلم والرّشد، وهذا الوجه أصوب الوجوه".
وقال الآلوسيّ:"رجّح الأوّل بأنّه الأنسب بما قبله، لأنّه تهكّم أيضا، ورجّح الأخير بأنّه يكون الكلام عليه نظير ما مرّ في قصّة صالح عليه السّلام من قولهم له: (قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا) هود: 62".
وقال صاحب"المنار":"وصفه بهما وصفا مؤكّدا بالجملة الاسميّة و"إنّ"و"اللّام"في تعليل إنكارهم، لما أمرهم به وما نهاهم عنه، كلاهما صريح في الاستهزاء به والتّعريض بما يعتقدون من اتّصافه بضدّهما، وهو الجهالة والسّفه في الرّأي، والغواية في الفعل بهوس الصّلاة، قال ابن عبّاس: يقولون: إنّك لست بحليم ولا رشيد".
ولكنّ صاحب"الميزان"قال: بأنّه ليس تهكّما ولا استهزاء، وعلّل تأكيده ب "إنّ"و"اللّام" وإتيان الخبر جملة اسميّة بقوله:"ليكون أقوى في إثبات الحلم والرّشد له، فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه، وأنّ الّذي لا شكّ في حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السّفهيّ، وينتهض على سلب حرّيّة النّاس واستقلالهم في الشّعور والإرادة."
وظهر بذلك أنّ ما ذكره كثير منهم أنّهم وصفوه