فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 758
على عرشه، وروت في ذلك حديثا، وعضد الطّبريّ جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلّا على تلطّف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوّله، وقد ذكر النّقّاش عن أبي داود السّجستانيّ أنّه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متّهم ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا. (3: 478)
الطّبرسيّ: [نحو ابن عبّاس وأضاف:]
وقد أجمع المفسّرون على أنّ المقام المحمود هو مقام الشّفاعة، وهو المقام الّذي يشفع فيه للنّاس، وهو المقام الّذي يعطي فيه لواء الحمد فيوضع في كفّه ويجتمع تحته الأنبياء والملائكة، فيكون صلّى اللّه عليه وآله أوّل شافع وأوّل مشفّع.
الفخر الرّازيّ: وقوله: مَقامًا مَحْمُودًا فيه بحثان:
البحث الأوّل: في انتصاب قوله: (محمودا) وجهان:
الأوّل: أن يكون انتصابه على الحال من قوله: (يبعثك) أي يبعثك محمودا، والثّاني: أن يكون نعتا للمقام، وهو ظاهر.
البحث الثّاني: في تفسير المقام المحمود أقوال: الأوّل:
أنّه الشّفاعة. قال الواحديّ: أجمع المفسّرون على أنّه مقام الشّفاعة، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية:"هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي".
وأقول: اللّفظ مشعر به، وذلك لأنّ الإنسان إنّما يصير محمودا إذا حمده حامد، والحمد إنّما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدّين وتعليم الشّرع، لأنّ ذلك كان حاصلا في الحال. وقوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا تطميع، وتطميع الإنسان في الشّي ء الّذي وعده في الحال محال، فوجب أن يكون ذلك الإنعام الّذي لأجله يصير محمودا إنعاما سيصل منه، حصل له بعد ذلك إلى النّاس، وما ذاك إلّا شفاعته عند اللّه.
فدلّ هذا على أنّ لفظ الآية وهو قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا يدلّ على هذا المعنى.
وأيضا التّنكير في قوله: مَقامًا مَحْمُودًا يدلّ على أنّه يحصل للنّبيّ عليه السّلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل، ومن المعلوم أنّ حمد الإنسان على سعيه في التّخليص عن العقاب أعظم من حمده في السّعي في زيادة من الثّواب لا حاجة به إليها، لأنّ احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزّائدة الّتي لا حاجة به إلى تحصيلها.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا هو الشّفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السّنّة. ولمّا ثبت أنّ لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويّا ثمّ وردت الأخبار الصّحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حمل اللّفظ عليه.
وممّا يؤكّد هذا الوجه الدّعاء المشهور:"و ابعثه المقام المحمود الّذي وعدته يغبطه به الأوّلون والآخرون"