فهرس الكتاب

الصفحة 8866 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 774

يكون ولدا لهم. ذكرهم ابن فورك في كتاب"الفصول"، وهم: محمّد بن سفيان بن مجاشع، جدّ جدّ الفرزدق الشّاعر، والآخر: محمّد بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جمحى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس، والآخر: محمّد بن حمران بن ربيعة، وكان آباء هؤلاء الثّلاثة قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأوّل، فأخبرهم بمبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وباسمه، وكان كلّ واحد منهم قد خلّف امرأته حاملا، فنذر كلّ واحد منهم: إن ولد له ذكر أن يسمّيه محمّدا، ففعلوا ذلك.

قال المؤلّف: وهذا الاسم منقول من الصّفة، فالمحمّد في اللّغة هو الّذي يحمد حمدا بعد حمد، ولا يكون"مفعّل"مثل: مضرّب وممدّح إلّا لمن تكرّر فيه الفعل مرّة بعد مرّة.

وأمّا أحمد فهو اسمه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي سمّي به على لسان عيسى وموسى- عليهما السّلام-، فإنّه منقول أيضا من الصّفة الّتي معناها التّفضيل، فمعنى أحمد، أي أحمد الحامدين لربّه، وكذلك هو المعني؛ لأنّه تفتح عليه في المقام المحمود محامد لم تفتح على أحد قبله، فيحمد ربّه بها؛ ولذلك يعقد له لواء الحمد.

وأمّا محمّد فمنقول من صفة أيضا، وهو في معنى:

محمود. ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار، فالمحمّد هو الّذي حمد مرّة بعد مرّة، كما أنّ المكرّم من أكرم مرّة بعد مرّة، وكذلك: الممدّح، ونحو ذلك. فاسم محمّد مطابق لمعناه، واللّه سبحانه وتعالى سمّاه به قبل أن يسمّي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوّته؛ إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود عليه السّلام في الدّنيا بما هدى إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشّفاعة، فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللّفظ، ثمّ إنّه لم يكن محمّدا، حتّى كان أحمد حمّد ربّه فنبّأه وشرّفه؛ فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الّذي هو محمّد، فذكره عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: اسمه أحمد، وذكره موسى صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال له ربّه:

تلك أمّة أحمد، فقال: اللّهمّ اجعلني من أمّة أحمد، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمّد؛ لأنّ حمده لربّه كان قبل حمد النّاس له، فلمّا وجد وبعث، كان محمّدا بالفعل.

وكذلك في الشّفاعة يحمد ربّه بالمحامد الّتي يفتحها عليه، فيكون أحمد الحامدين لربّه، ثمّ يشفع فيحمد على شفاعته. فانظر: كيف ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر والوجود، وفي الدّنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهيّة في تخصيصه بهذين الاسمين، وانظر: كيف أنزلت عليه سورة الحمد وخصّ بها دون سائر الأنبياء، وخصّ بلواء الحمد، وخصّ بالمقام المحمود، وانظر: كيف شرع لنا سنّة وقرآنا أن نقول عند اختتام الأفعال، وانقضاء الأمور: الحمد للّه ربّ العالمين. قال اللّه سبحانه وتعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الزّمر: 75. وقال أيضا: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10. تنبيها لنا على أنّ الحمد مشروع لنا عند انقضاء الأمور. وسنّ صلّى اللّه عليه وسلّم الحمد بعد الأكل والشّرب، وقال عند انقضاء السّفر: آيبون تائبون عابدون لربّنا حامدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت