فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 793
معها، ويجعلون استعمالها كالشّريعة المنسوخة، والعدل بها عن النّصب إلى الرّفع على الابتداء، للدّلالة على ثبات المعنى واستقراره، ومنه قوله تعالى: قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ هود: 69، رفع السّلام الثّاني، للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام حيّاهم بتحيّة أحسن من تحيّتهم، لأنّ الرّفع دلّ على معنى ثبات السّلام لهم دون تجدّده وحدوثه. والمعنى: نحمد اللّه حمدا، ولذلك قيل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنّه بيان لحمدهم له، كأنّه قيل:
كيف تحمدون؟ فقيل: إيّاك نعبد.
فإن قلت: ما معنى التّعريف فيه؟
قلت: هو نحو التّعريف في: أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كلّ أحد من أنّ الحمد ما هو والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال والاستغراق، الّذي يتوهّمه كثير من النّاس وهم منهم.
وقرأ الحسن البصريّ (الحمد للّه) بكسر الدّال، لاتّباعها اللّام. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (الحمد للّه) بضمّ اللّام، لاتّباعها الدّال، والّذي جسرهما على ذلك، والاتّباع إنّما يكون في كلمة واحدة كقولهم: منحدر الجبل، ومعيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة، لكثرة استعمالها مقترنتين.
وأشفّ القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائيّة تابعة للإعرابيّة، الّتي هي أقوى، بخلاف قراءة الحسن. (1: 49)
الفخر الرّازيّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وفيه وجوه:
الأوّل: هاهنا ألفاظ ثلاثة: الحمد، والمدح، والشّكر، فنقول: الفرق بين الحمد والمدح من وجوه:
الأوّل: أنّ المدح قد يحصل للحيّ ولغير الحيّ، ألا ترى أنّ من رأى لؤلؤة في غاية الحسن، أو ياقوتة في غاية الحسن، فإنّه قد يمدحها، ويستحيل أن يحمدها، فثبت أنّ المدح أعمّ من الحمد.
الوجه الثّاني: في الفرق: أنّ المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أمّا الحمد: فإنّه لا يكون إلّا بعد الإحسان.
الوجه الثّالث: في الفرق: أنّ المدح قد يكون منهيّا عنه، قال عليه الصّلاة والسّلام:"احثوا التّراب في وجوه المدّاحين"، أمّا الحمد: فإنّه مأمور به مطلقا، قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من لم يحمد النّاس لم يحمد اللّه".
الوجه الرّابع: أنّ المدح: عبارة عن القول الدّالّ على كونه مختصّا بنوع من أنواع الفضائل، وأمّا الحمد: فهو القول الدّالّ على كونه مختصّا بفضيلة معيّنة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان، فثبت بما ذكرنا أنّ المدح أعمّ من الحمد.
وأمّا الفرق بين الحمد وبين الشّكر: فهو أنّ الحمد يعمّ ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك، أو إلى غيرك، وأمّا الشّكر: فهو مختصّ بالإنعام الواصل إليك.
إذا عرفت هذا فنقول: قد ذكرنا أنّ المدح حاصل للحيّ ولغير الحيّ، وللفاعل المختار ولغيره، فلو قال:
المدح للّه، لم يدلّ ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا، أمّا لمّا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فهو يدلّ على كونه مختارا، فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يدلّ على كون هذا القائل مقرّا