فهرس الكتاب

الصفحة 8887 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 795

سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التّعظيم والإجلال، أو لم يكن، فثبت أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أولى من قوله:

"أحمد اللّه"ونظيره قولنا:"لا إله إلّا اللّه"فإنّه لا يدخله التّكذيب، بخلاف قولنا:"أشهد أن لا إله إلّا اللّه"لأنّه قد يكون كاذبا في قوله: أشهد، ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ المنافقون: 1، ولهذا السّرّ أمر في الأذان بقوله:"أشهد"ثمّ وقع الختم على قوله:"لا إله إلّا اللّه".

الفائدة الثّالثة: اللّام في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يحتمل وجوها كثيرة:

أحدها: الاختصاص اللّائق، كقولك: الجلّ للفرس.

وثانيها: الملك، كقولك: الدّار لزيد.

وثالثها: القدرة والاستيلاء، كقولك:"البلد للسّلطان"، واللّام في قولك: الْحَمْدُ لِلَّهِ يحتمل هذه الوجوه الثّلاثة، فإن حملته على الاختصاص اللّائق، فمن المعلوم أنّه لا يليق الحمد إلّا به، لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه. وإن حملته على الملك فمعلوم أنّه تعالى مالك للكلّ، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده. وإن حملته على الاستيلاء والقدرة، فالحقّ سبحانه وتعالى كذلك، لأنّه واجب لذاته، وما سواه ممكن لذاته، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته.

فالحمد للّه بمعنى أنّ الحمد لا يليق إلّا به، وبمعنى أنّ الحمد ملكه وملكه، وبمعنى أنّه هو المستولي على الكلّ والمستعلي على الكلّ.

الفائدة الرّابعة: قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثمانية أحرف، وأبواب الجنّة ثمانية، فمن قال: هذه الثّمانية عن صفاء قلبه استحقّ ثمانية أبواب الجنّة.

الفائدة الخامسة: (الحمد) لفظة مفردة دخل عليها حرف التّعريف، وفيه قولان:

الأوّل: أنّه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه، وإلّا يحمل على الاستغراق صونا للكلام عن الإجمال.

والقول الثّاني: أنّه لا يفيد العموم، إلّا أنّه يفيد الماهيّة والحقيقة فقط.

إذا عرفت هذه فنقول: قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ إن قلنا بالقول الأوّل: أفاد أنّ كلّ ما كان حمدا وثناء فهو للّه وحقّه وملكه. وحينئذ يلزم أن يقال: إنّ ما سوى اللّه فإنّه لا يستحقّ الحمد والثّناء ألبتّة، وإن قلنا بالقول الثّاني: كان معناه أنّ ماهيّة الحمد حقّ للّه تعالى وملك له، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهيّة لغير اللّه، فثبت على القولين أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ينفي حصول الحمد لغير اللّه.

فإن قيل: أليس أنّ المنعم يستحقّ الحمد من المنعم عليه، والأستاذ يستحقّ الحمد من التّلميذ، والسّلطان العادل يستحقّ الحمد من الرّعيّة، وقال عليه السّلام: من لم يحمد النّاس لم يحمد اللّه؟

قلنا: إنّ كلّ من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو اللّه تعالى، لأنّه لو لا أنّه تعالى خلق تلك الدّاعية في قلب ذلك المنعم، وإلّا لم يقدم على ذلك الإنعام، ولو لا أنّه تعالى خلق تلك النّعمة، وسلّط ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت