فهرس الكتاب

الصفحة 8888 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 796

المنعم عليها، ومكّن المنعم عليه من الانتفاع، لما حصل الانتفاع بتلك النّعمة. فثبت أنّ المنعم في الحقيقة هو اللّه تعالى.

الفائدة السّادسة: أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ كما دلّ على أنّه لا محمود إلّا اللّه، فكذلك العقل دلّ عليه، وبيانه من وجوه:

الأوّل: أنّه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب المنعم لم ينعم، فيكون المنعم في الحقيقة هو اللّه الّذي خلق تلك الدّاعية.

وثانيها: أنّ كل من أنعم على الغير فإنّه يطلب بذلك الإنعام عوضا، إمّا ثوابا أو ثناء، أو تحصيل حقّ، أو تخليصا للنّفس من خلق البخل، وطالب العوض لا يكون منعما، فلا يكون مستحقّا للحمد في الحقيقة.

أمّا اللّه سبحانه وتعالى فإنّه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يطلب الكمال، لأنّ تحصيل الحاصل محال، فكانت عطاياه جودا محضا وإحسانا محضا، فلا جرم كان مستحقّا للحمد، فثبت أنّه لا يستحقّ الحمد إلّا اللّه تعالى.

وثالثها: أنّ كلّ نعمة فهي من الموجودات الممكنة الوجود، وكلّ ممكن الوجود فإنّه وجد بإيجاد الحقّ، إمّا ابتداء، وإمّا بواسطة، ينتج أنّ كلّ نعمة فهي من اللّه تعالى، ويؤكّد ذلك بقوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ النّمل: 53، و (الحمد) لا معنى له إلّا الثّناء على الإنعام فلمّا كان لا إنعام إلّا من اللّه تعالى، وجب القطع بأنّ أحدا لا يستحقّ الحمد إلّا اللّه تعالى.

ورابعها: النّعمة لا تكون كاملة إلّا عند اجتماع أمور ثلاثة:

أحدها: أن تكون منفعة. والانتفاع بالشّي ء مشروط بكونه حيّا مدركا، وكونه حيّا مدركا لا يحصل إلّا بإيجاد اللّه تعالى.

وثانيها: أنّ المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلّا إذا كانت خالية عن شوائب الضّرر والغمّ، وإخلاء المنافع عن شوائب الضّرر لا يحصل إلّا من اللّه تعالى.

وثالثها: أنّ المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلّا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع، وهذا الأمر لا يحصل إلّا من اللّه تعالى، إذا ثبت هذا، فالنّعمة الكاملة لا تحصل إلّا من اللّه تعالى. فوجب أن لا يستحقّ الحمد الكامل إلّا اللّه تعالى، فثبت بهذه البراهين صحّة قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ.

الفائدة السّابعة: قد عرفت أنّ الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعما متفضّلا، وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النّعمة إليه، امتنع تكليفه بالحمد والشّكر. إذا عرفت هذا، فنقول: وجب كون الإنسان عاجزا عن حمد اللّه وشكره، ويدلّ عليه وجوه:

الأوّل: أنّ نعم اللّه على الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها النّمل: 18، إذا امتنع وقوف الإنسان عليها، امتنع اقتداره على الحمد والشّكر والثّناء اللّائق بها.

الثّاني: أنّ الإنسان إنّما يمكنه القيام بحمد اللّه وشكره، إذا أقدره اللّه تعالى على ذلك الحمد والشّكر، وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد والشّكر، وإذا زال عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت