فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 797
العوائق والحوائل، فكلّ ذلك إنعام من اللّه تعالى، فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر اللّه تعالى إلّا بواسطة نعم عظيمة من اللّه تعالى عليه، وتلك النّعم أيضا توجب الشّكر، وعلى هذا التّقدير: فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشّكر والحمد، إلّا عند الإتيان به مرارا لا نهاية لها، وذلك محال، والموقوف على المحال محال، فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد اللّه وبشكره على ما يليق به.
الثّالث: أنّ الحمد والشّكر ليس معناه مجرّد قول القائل بلسانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفا بصفات الكمال والجلال، وكلّ ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال، فكمال اللّه وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيّل والمتصوّر، وإذا كان كذلك، امتنع كون الإنسان آتيا بحمد اللّه وشكره وبالثّناء عليه.
الرّابع: أنّ الاشتغال بالحمد والشّكر معناه: أنّ المنعم عليه يقابل الإنعام الصّادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه، وذلك بعيد لوجوه:
أحدها: أنّ نعم اللّه كثيرة لاحدّ لها، فمقابلتها بهذا الاعتقاد الواحد، وبهذه اللّفظة الواحدة، في غاية البعد.
وثانيها: أنّ من اعتقد أنّ حمده وشكره يساوي نعم اللّه تعالى فقد أشرك، وهذا معنى قول الواسطيّ: الشّكر شرك.
وثالثها: أنّ الإنسان محتاج إلى إنعام اللّه في ذاته وفي صفاته وفي أحواله، واللّه تعالى غنيّ عن شكر الشّاكرين وحمد الحامدين، فكيف يمكن مقابلة نعم اللّه بهذا الشّكر وبهذا الحمد؟ فثبت بهذه الوجوه أنّ العبد عاجز عن الإتيان بحمد اللّه وبشكره، فلهذه الدّقيقة لم يقل:
"احمدوا اللّه"بل قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ لأنّه لو قال:
"احمدوا اللّه"فقد كلّفهم ما لا طاقة لهم به، أمّا لمّا قال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ كان المعنى أنّ كمال الحمد حقّه وملكه، سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه.
ونقل أنّ داود عليه السّلام قال: يا ربّ كيف أشكرك، وشكري لك لا يتمّ إلّا بإنعامك عليّ، وهو أن توفّقني لذلك الشّكر؟ فقال: يا داود، لمّا علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك.
الفائدة الثّامنة: عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّه قال:"إذا أنعم اللّه على عبده نعمة فيقول العبد:"
الْحَمْدُ لِلَّهِ، فيقول اللّه تعالى: أنظروا إلى عبدي، أعطيته ما لا قدر له، فأعطاني ما لا قيمة له"."
وتفسيره أنّ اللّه إذا أنعم على العبد كان ذلك الإنعام أحد الأشياء المعتادة، مثل أنّه كان جائعا فأطعمه، أو كان عطشانا فأرواه، أو كان عريانا فكساه، أمّا إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ كان معناه أنّ كلّ حمد أتى به أحد من الحامدين فهو للّه، وكلّ حمد لم يأت به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو للّه، وذلك يدخل فيه جميع المحامد الّتي ذكرها ملائكة العرش والكرسيّ وساكنو أطباق السّماوات، وجميع المحامد الّتي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمّد صلوات اللّه عليهم، وجميع المحامد الّتي ذكرها جميع الأولياء والعلماء وجميع الخلق، وجميع المحامد الّتي