فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 800
ثمّ نعم الدّنيا قسمان: تارة تعتبر تلك النّعم من حيث هي نعم، وتارة تعتبر من حيث إنّها عطيّة المنعم، والقسم الثّاني أشرف.
فهذه مقامات يجب اعتبارها حتّى يكون ذكر قولنا:
الْحَمْدُ لِلَّهِ موافقا لموضعه لائقا بسببه.
الفائدة الثّالثة عشرة: أوّل كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وآخر كلمة يذكرها أهل الجنّة هو قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
أمّا الأوّل فلأنّه لمّا بلغ الرّوح إلى سرّته عطس فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وأمّا الثّاني: فهو قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10، ففاتحة العالم مبنيّة على الحمد، وخاتمته مبنيّة على الحمد، فاجتهد حتّى يكون أوّل أعمالك وآخرها مقرونا بهذه الكلمة، فإنّ الإنسان عالم صغير، فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير.
الفائدة الرّابعة عشرة: من النّاس من قال: تقدير الكلام قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ وهذا عندي ضعيف، لأنّ الإضمار إنّما يصار إليه ليصحّ الكلام، وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام، والّذي يدلّ عليه وجوه:
الأوّل: أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ إخبار عن كون الحمد حقّا له وملكا له، وهذا كلام تامّ في نفسه، فلا حاجة إلى الإضمار.
الثّاني: أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يدلّ على كونه تعالى مستحقّا للحمد بحسب ذاته، وبحسب أفعاله، سواء حمدوه أو لم يحمدوه، لأنّ ما بالذّات أعلى وأجلّ ممّا بالغير.
الثّالث: ذكروا مسألة في الواقعات، وهي أنّه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده: اعمل كذا وكذا، لأنّه يجوز أن يمتثل أمره فيأثم، بل يقول: إنّ كذا وكذا يجب أن يفعل، ثمّ إذا كان الولد كريما فإنّه يجيبه ويطيعه، وإن كان عاقّا لم يشافهه بالرّدّ، فيكون إثمه أقلّ، فكذلك هاهنا، قال اللّه تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فمن كان مطيعا حمده، ومن كان عاصيا كان إثمه أقلّ.
الفائدة الخامسة عشرة: تمسّكت الجبريّة والقدريّة بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ: أمّا الجبريّة فقد تمسّكوا به من وجوه:
الأوّل: أنّ كلّ من كان فعله أشرف وأكمل، وكانت النّعمة الصّادرة عنه أعلى وأفضل، كان استحقاقه للحمد أكثر، ولا شكّ أنّ أشرف المخلوقات هو الإيمان، فلو كان الإيمان فعلا للعبد، لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجلّ من استحقاق اللّه له، ولمّا لم يكن كذلك، علمنا أنّ الإيمان حصل بخلق اللّه لا بخلق العبد.
الثّاني: أجمعت الأمّة على قولهم: الحمد للّه على نعمة الإيمان، لو كان الإيمان فعلا للعبد، وما كان فعلا للّه، لكان قولهم: الحمد للّه على نعمة الإيمان باطلا، فإنّ حمد الفاعل على ما لا يكون فعلا له باطل قبيح، لقوله تعالى:
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا آل عمران: 188.
الثّالث: أنّا قد دلّلنا على أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يدلّ ظاهره على أنّ كلّ الحمد للّه، وأنّه ليس لغير اللّه