فهرس الكتاب

الصفحة 8893 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 801

حمدا أصلا، وإنّما يكون كلّ الحمد للّه، لو كان كلّ النّعم من اللّه، والإيمان أفضل النّعم، فوجب أن يكون الإيمان من اللّه.

الرّابع: أنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ مدح منه لنفسه، ومدح النّفس مستقبح فيما بين الخلق، فلمّا بدأ كتابه بمدح النّفس، دلّ ذلك على أنّ حاله بخلاف حال الخلق، وأنّه يحسن من اللّه ما يقبح من الخلق؛ وذلك يدلّ على أنّه تعالى مقدّس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق، فقد تقبح أشياء من العباد، ولا تقبح تلك الأشياء من اللّه تعالى. وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلّيّة.

والخامس: أنّ عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة، ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن، وإلّا كانت عبثا، وذلك في حقّه محال. والزّائدة على الحسن إمّا أن تكون واجبة، وإمّا أن تكون من باب التّفضّل: أمّا الواجب، فهو مثل إيصال الثّواب والعوض إلى المكلّفين، وأمّا الّذي يكون من باب التّفضّل فهو مثل أنّه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان. فنقول:

هذا يقدح في كونه تعالى مستحقّا للحمد، ويبطل صحّة قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ.

وتقريره أن نقول: أمّا أداء الواجبات، فإنّه لا يفيد استحقاق الحمد، ألا ترى أنّ من كان له على غيره دين دينار، فأدّاه، فإنّه لا يستحقّ الحمد، فلو وجب على اللّه فعل لكان ذلك الفعل مخلصا له عن الذّمّ، ولا يوجب استحقاقه للحمد.

وأمّا فعل التّفضّل فعند الخصم أنّه يستفيد بذلك مزيد حمد، لأنّه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل، لما حصل له ذلك الحمد، وإذا كان كذلك، كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره، وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقّا للحمد والمدح.

السّادس: قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يدلّ على أنّه تعالى محمود، فنقول: استحقاقه الحمد والمدح إمّا أن يكون أمرا ثابتا له لذاته، أو ليس ثابتا له لذاته.

فإن كان الأوّل، امتنع أن يكون شي ء من الأفعال موجبا له استحقاق المدح، لأنّ ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره، وامتنع أيضا أن يكون شي ء من الأفعال موجبا له استحقاق الذّمّ، لأنّ ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه بسبب غيره. وإذا كان كذلك، لم يتقرّر في حقّه تعالى وجوب شي ء عليه، فوجب أن لا يجب للعباد عليه شي ء من الأعواض والثّواب، وذلك يهدم أصول المعتزلة.

وأمّا القسم الثّاني: وهو أن يكون استحقاق الحمد للّه ليس ثابتا له لذاته، فنقول: فيلزم أن يكون ناقصا لذاته، مستكملا بغيره، وذلك على اللّه محال.

أمّا المعتزلة فقالوا: إنّ قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ لا يتمّ إلّا على قولنا، لأنّ المستحقّ للحمد على الإطلاق هو الّذي لا قبيح في فعله، ولا جور في أقضيته، ولا ظلم في أحكامه. وعندنا أنّ اللّه تعالى كذلك، فكان مستحقّا لأعظم المحامد والمدائح.

أمّا على مذهب الجبريّة لا قبيح إلّا وهو فعله، ولا جور إلّا وهو حكمه، ولا عبث إلّا وهو صنعه، لأنّه يخلق الكفر في الكافر، ثمّ يعذّبه عليه، ويؤلم الحيوانات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت