المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 97
فلمّا رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها، فأعرض إبراهيم عليه السّلام بوجهه عنها وعن الملك غيرة منه، وقال:"اللّهمّ احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي"فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه، فقال له الملك: إنّ إلهك هو الّذي فعل بي هذا، فقال له: نعم، إنّ إلهي غيور يكره الحرام، وهو الّذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام، فقال له الملك: فادع إلهك يردّ عليّ يدي فإن أجابك فلم أعرض لها، فقال إبراهيم عليه السّلام:"إلهي ردّ عليه يده ليكفّ عن حرمتي"، قال: فردّ اللّه عزّ وجلّ عليه يده.
فأقبل الملك نحوها ببصره، ثمّ عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه، وقال:"اللّهمّ احبس يده عنها"، قال: فيبست يده ولم تصل إليها؛ فقال الملك لإبراهيم: إنّ إلهك لغيور وإنّك لغيور، فادع إلهك يردّ عليّ يدي، فإنّه إن فعل لم أعد، فقال له إبراهيم: أسأله ذلك على أنّك إن عدت لم تسألني أن أسأله؟ فقال له الملك: نعم، فقال إبراهيم:"اللّهمّ إن كان صادقا فردّ عليه يده"فرجعت إليه يده.
فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى، ورأى الآية في يده، عظّم إبراهيم عليه السّلام وهابه وأكرمه واتّقاه، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشي ء ممّا معك، فانطلق حيث شئت، ولكن لي إليك حاجة، فقال له إبراهيم عليه السّلام: ما هي؟ فقال له: أحبّ أن تأذن لي أن أخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما، قال:
فأذن له إبراهيم فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر أمّ إسماعيل عليه السّلام.
فسار إبراهيم عليه السّلام بجميع ما معه، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم إعظاما لإبراهيم وهيبة له. فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى إبراهيم: أن قف ولا تمش قدّام الجبّار المتسلّط ويمشي هو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظّمه وهبه، فإنّه مسلّط ولا بدّ من إمرة في الأرض برّة أو فاجرة، فوقف إبراهيم عليه السّلام وقال للملك:
امض فإنّ إلهي أوحى إليّ السّاعة أن اعظّمك وأهابك وأن أقدّمك أمامي وأمشي خلفك إجلالا لك، فقال له الملك: أوحى إليك بهذا؟ فقال له إبراهيم عليه السّلام نعم، قال له الملك: أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم وإنّك ترغّبني في دينك، وودّعه الملك.
فسار إبراهيم حتّى نزل بأعلى الشّامات، وخلّف لوطا في أدنى الشّامات، ثمّ إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أبطئ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعلّ اللّه أن يرزقنا منّا ولدا فيكون لنا خلفا، فابتاع إبراهيم هاجر من سارة، فولدت إسماعيل. (العروسيّ 4: 416)
كان سبب وفاة إبراهيم عليه السّلام أنّه أتاه ملك الموت ليقبضه، فكره إبراهيم، فرجع ملك الموت إلى ربّه، فقال: إنّ إبراهيم كره الموت، فقال: دع إبراهيم فإنّه يحبّ أن يعبدني، حتّى رآى إبراهيم شيخا يأكل ويخرج منه ما يأكل، فكره الحياة وأحبّ الموت، فأتى داره، فإذا فيها أحسن صورة، ما رآها قطّ، قال: من أنت؟ قال:
أنا ملك الموت. [إلى أن قال:] وقبض إبراهيم عليه السّلام بالشّام. الرّاونديّ (قصص الأنبياء: 113)
الطّبريّ: هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ ابن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ ابن سام بن نوح.