فهرس الكتاب

الصفحة 8908 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 815

كما لسائر الموجودات، وفيه سرّ الشّفاعة ولواء الحمد.

البروسويّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لامه للعهد، أي الحمد الكامل، وهو حمد اللّه للّه، أو حمد الرّسل، أو كمّل أهل الولاء، أو للعموم والاستغراق، أي جميع المحامد والأثنية للمحمود أصلا، والممدوح عدلا، والمعبود حقّا، عينيّة كانت تلك المحامد أو عرضيّة، من الملك، أو من البشر أو من غيرهما، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ الإسراء: 44، والحمد عند الصّوفيّة إظهار كمال المحمود، وكماله تعالى صفاته وأفعاله وآثاره.

قال الشّيخ داود القيصريّ:"الحمد قوليّ وفعليّ وحاليّ".

أمّا القوليّ فحمد اللّسان وثناؤه عليه بما أثنى به الحقّ على نفسه على لسان أنبيائه عليهم السّلام.

وأمّا الفعليّ فهو الإتيان بالأعمال البدنيّة من العبادات والخيرات، ابتغاء لوجه اللّه تعالى، وتوجّها إلى جنابه الكريم، لأنّ الحمد كما يجب على الإنسان باللّسان كذلك يجب عليه بحسب كلّ عضو، بل على كلّ عضو كالشّكر، وعند كلّ حال من الأحوال، كما قال النّبيّ عليه السّلام:"الحمد للّه على كلّ حال"، وذلك لا يمكن إلّا باستعمال كلّ عضو فيما خلق لأجله على الوجه المشروع، عبادة للحقّ تعالى، وانقيادا لأمره، لا طلبا لحظوظ النّفس ومرضاتها.

وأمّا الحاليّ فهو الّذي يكون بحسب الرّوح والقلب، كالاتّصاف بالكمالات العلميّة والعمليّة، والتّخلّق بالأخلاق الإلهيّة، لأنّ النّاس مأمورون بالتّخلّق بأخلاق اللّه تعالى بلسان الأنبياء عليهم السّلام لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم، وفي الحقيقة هذا حمد الحقّ أيضا نفسه في مقامه التّفصيليّ المسمّى بالمظاهر، من حيث عدم مغايرتها له.

وأمّا حمده ذاته في مقامه الجمعيّ الإلهيّ قولا، فهو ما نطق به في كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصّفات الكماليّة، وفعلا فهو إظهار كمالاته الجماليّة والجلاليّة من غيبه إلى شهادته، ومن باطنه إلى ظاهره، ومن علمه إلى عينه، في مجالي صفاته ومحالّ ولاية أسمائه، وحالا فهو تجلّيّاته في ذاته بالفيض الأقدس الأولى وظهور النّور الأزليّ، فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا.

لقد كنت دهرا قبل أن يكشف الغطا ... اخا لك إنّي ذاكر لك شاكر

فلمّا أضاء اللّيل أصبحت شاهدا ... بأنّك مذكور وذكر وذاكر

وكلّ حامد بالحمد القوليّ يعرف محموده بإسناد صفات الكمال إليه، فهو يستلزم التّعريف، انتهى كلامه.

والحمد شامل للثّناء والشّكر والمدح، ولذلك صدر كتابه بأن حمد نفسه بالثّناء في (للّه) والشّكر في رَبِّ الْعالَمِينَ والمدح في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.

ثمّ ليس للعبد أن يحمده بهذه الوجوه الثّلاثة حقيقة، بل تقليدا ومجازا: أمّا الأوّل: فلأنّ الثّناء والمدح- بوجه يليق بذاته أو بصفاته- فرع معرفة كنههما، وقد قال اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت