فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 814
الأنواع وملائكة الطّباع وغيرهم، كما تقرّر في موضعه، ولذلك عبّر في القرآن عن تلك الدّلالة العقليّة منه بالنّطق في قوله تعالى: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ ءٍ فصّلت: 21.
وكذلك جميع الموجودات من حيث نظامه الجمليّ حمد واحد وحامد واحد، لما قد ثبت أنّ الجميع بمنزلة إنسان واحد كبير، له حقيقة واحدة وصورة واحدة وعقل واحد، وهو العقل الأوّل الّذي هو صورة العالم وحقيقته، وهو الحقيقة التّماميّة المحمّديّة، فأجلّ مراتب الحمد وأعظمها هي المرتبة الختميّة المحمّديّة القائمة بوجود الخاتم صلّى اللّه عليه وآله، من حيث وصوله إلى المقام المحمود الموعود في قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا الإسراء: 79، فذاته المقدّسة أقصى مراتب الحمد الّتي حمد اللّه بها ذاته، ولذلك خصّ بلواء الحمد، وسمّي بالحمّاد والأحمد والمحمود من مشتقّات الحمد، كما قيل.
ولا يخفى عليك، إنّ القول بأنّ حقيقته صلّى اللّه عليه وآله أقصى مراتب الحمد، لا ينافي كونه بحسب وجوده العنصريّ أحد أجزاء العالم الكبير، من حيث إنّ دلالة جميع الموجودات على جميل صفات اللّه تعالى، أقوى من دلالة موجود واحد هو جزء العالم، عليه، وذلك لأنّ الإنسان الكامل له أطوار متفاوتة ونشآت متنوّعة، فله صلّى اللّه عليه وآله جميع المقامات والنّشآت، ففي وقت ومقام له أن يقول: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ الكهف: 110، وفي وقت ومقام أن يقول: لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. وقوله: من أطاعني فقد أطاع اللّه، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه.
وكونه أقصى مراتب الحمد إنّما يتحقّق في مقامه الجمعيّ الأخرويّ، الّذي هو المقام المحمود، ولهذا قال كما روي عنه صلّى اللّه عليه وآله: فيلهمني اللّه محامد أحمده بها، لا يحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد.
لمّا تقرّر أنّ جميع مراتب الموجودات روحا وجسما، عقلا وحسّا، بجميع الألسنة قولا وفعلا وحالا، يحمدونه تعالى ويسبّحونه ويمجّدونه في الدّنيا والآخرة بحسب الفطرة الأصليّة، ومقتضى الدّاعية الذّاتيّة، ولا شكّ أنّ لكلّ فعل غريزيّ غاية ذاتيّة، وباعثا أصليّا، وقد تقرّر أنّ ذاته تعالى غاية الغايات ونهاية الرّغبات، فعلى هذا قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ يمكن أن يكون إشارة إلى مبدإ الوجود وغايته، سواء كانت اللّام في (للّه) للغاية، أو للاختصاص، فمعناه على الأوّل أنّ حقيقة الوجود وجنسه، إذا كان التّعريف في الحمد للجنس، أو الوجود كلّه، إذا كان للاستغراق، كما قيل:
لأجل استكمالها بمعرفته تعالى ووصولها إليه.
ومعناه على الثّاني أنّ حقيقة الوجود أو جميع أفراده للّه تعالى، وإذا كانت هي له تعالى كان هو تعالى لها أيضا، لقوله صلّى اللّه عليه وآله:"من كان للّه كان اللّه له"، فذاته تعالى علّة تماميّة كلّ شي ء وغاية كمال كلّ موجود، إمّا بلا واسطة، كما للحقيقة المحمّديّة الّتي هي صورة نظام العالم وأصله ومنشأه، وإمّا بواسطة فيضه الأقدس ووجوده المقدّس،