فهرس الكتاب

الصفحة 8906 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 813

هو اللّسان، سواء كان بإزاء النّعمة الواصلة أم لا، وأمّا الشّكر فهو على النّعمة خاصّة، ومورده يعمّ الجنان واللّسان والأركان. [ثمّ استشهد بشعر]

فالحمد إحدى شعب الشّكر بوجه، وإنّما جعل رأس الشّكر والعمدة فيه- كما في قوله صلّى اللّه عليه وآله: الحمد رأس الشّكر. وقوله عليه السّلام: ما شكر اللّه من لم يحمده- لكونه أشيع للنّعمة وأدلّ على مكانها، وأنطق للإفصاح عن بعض خفيّاتها في عالم الحسّ، لخفاء عمل القلب وعقائده، ولما في آداب الجوارح من الاحتمال.

ولمّا كان الحمد من المصادر الّتي ينصب بأفعال مضمرة لا يكاد يستعمل معها، فأصله النّصب، والجملة فعليّة، وإنّما عدل به إلى الرّفع بالابتدائيّة، والظّرف خبره، والجملة اسميّة، للدّلالة على ثبات الحمد ودوامه دون تجدّده وحدوثه، ومنه قوله تعالى: قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ هود: 69، للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام حيّاهم تحيّة أحسن من تحيّتهم، لكون الاسميّة دالّة على معنى الثّبات دون الفعليّة.

وقرأ الحسن: (الحمد للّه) بإتباع الدّال اللّام، وابن عبلة بالعكس، والباعث لهما تنزيل الكلمتين المستعملتين معا منزلة كلمة واحدة.

ما مرّ من تخصيص الحمد باللّسان، وكون الثّناء باللّسان عمدة أفراد الشّكر، إنّما هو في نظر الحسّ كما أو مأنا إليه، وبحسب ما هو المتعارف عند المحجوبين، وأمّا في عرف المكاشفين، فالحمد نوع من الكلام، وقد مرّ أنّ الكلام غير مختصّ الوقوع باللّسان، ولهذا حمد اللّه وأثنى على ذاته بما هو أهله ومستحقّه، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله:

"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

وكذا يحمده ويسبّحه كلّ شي ء كما في قوله تعالى:

وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ الإسراء: 44، فحقيقة"الحمد"عند العارفين المحقّقين، إظهار الصّفات الكماليّة، وذلك قد يكون بالقول، كما هو المشهور عند الجمهور، وقد يكون بالفعل، وهو كحمد اللّه ذاته، وحمد جميع الأشياء له، وهذا القسم أقوى، لأنّ دلالة اللّفظ من حيث هو لفظ دلالة وضعيّة، قد يتخلّف عنها مدلولها، ودلالة الفعل كدلالة آثار الشّجاعة على الشجاعة، وآثار السّخاوة على السّخاوة، عقليّة قطعيّة، لا يتصوّر فيها تخلّف، فحمد اللّه ذاته وهو أجلّ مراتب الحمد هو إيجاده كلّ موجود من الموجودات، فاللّه جلّ ثناؤه حيث بسط بساط الوجود على ممكنات لا تعدّ ولا تحصى، ووضع عليه موائد كرمه الّتي لا تتناهى، فقد كشف عن صفات كماله ونعوت جلاله، وأظهرها بدلالات عقليّة تفصيليّة غير متناهيه. فإنّ كلّ ذرّة من ذرّات الوجود يدلّ عليها، ولا يتصوّر في العبارة مثل هذه الدّلالات، كما وقع التّنبيه عليه في الحديث المنقول سابقا، فإيجاده تعالى كلّ موجود هو الحمد بالمعنى المصدريّ بمنزلة التّكلّم بالكلام الدّالّ على الجميل، ونفس ذلك الموجود هو الحمد بالمعنى الحاصل بالمصدر؛ فإطلاق"الحمد"على كلّ موجود صحيح بهذا المعنى، وكما أنّ كلّ موجود حمد فهو حامد أيضا، لاشتماله على مقوّم عقليّ وجوهر نطقيّ، كأرباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت