فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 812
كيفيّته، على أنّ ما قدّر من السّؤال غير مطابق للجواب، فإنّه مسوق لتعيين المعبود، لا لبيان العبادة. حتّى يتوهّم كونه بيانا لحمدهم، والاعتذار بأنّ المعنى نخصّك بالعبادة، وبه يتبيّن كيفيّة الحمد، تعكيس للأمر، وتمحّل لتوفيق المنزّل المقرّر بالموهوم المقدّر.
وبعد اللّتيا والّتي إن فرض السّؤال من جهته عزّ وجلّ فاتت نكتة الالتفات الّتي أجمع عليها السّلف والخلف، وإن فرض من جهة الغير يختلّ النّظام لابتناء الجواب على خطابه تعالى.
وبهذا يتّضح فساد ما قيل: إنّه استئناف، جوابا لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصّفات العظام على الموصوف بها، فكأنّه قيل: ما شأنكم معه وكيف توجّهكم إليه، فأجيب بحصر العبادة والاستعانة فيه، فإنّ تناسي جانب السّائل بالكلّيّة، وبناء الجواب على خطابه عزّ وعلا ممّا يجب تنزيه ساحة التّنزيل عن أمثاله.
والحقّ الّذي لا محيد عنه أنّه استئناف صدر عن الحامد بمحض ملاحظة اتّصافه تعالى بما ذكر من النّعوت الجليلة الموجبة للإقبال الكلّيّ عليه، من غير أن يتوسّط هناك شي ء آخر كما ستحيط به خبرا.
وإيثار الرّفع على النّصب الّذي هو الأصل، للإيذان بأنّ ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت، وأنّ ذلك أمر دائم مستمرّ لا حادث متجدّد، كما تفيده قراءة النّصب، وهو السّرّ في كون تحيّة الخليل للملائكة عليهم التّحيّة والسّلام، أحسن من تحيّتهم له في قوله تعالى:
قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ هود: 69.
وتعريفه للجنس، ومعناه الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي حاضرة في ذهن السّامع، والمراد تخصيص حقيقة الحمد به تعالى، المستدعي لتخصيص جميع أفرادها به سبحانه على الطّريق البرهانيّ، لكن لابناء على أنّ أفعال العباد مخلوقة له تعالى، فتكون الأفراد الواقعة بمقابلة ما صدر عنه من الأفعال الجميلة، راجعة إليه تعالى، بل بناء على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابيّ منزلة العدم كيفا وكمّا.
وقد قيل: للاستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحقّقها في ضمن جميع أفرادها، حسبما يقتضيه المقام، وقرئ: (الحمد للّه) بكسر"الدّال"إتباعا لها باللّام، وبضمّ اللّام إتباعا لها بالدّال، بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين، منزلة كلمة واحدة، مثل المغيرة ومنحدر الجبل. (1: 19)
صدر المتألهين: قيل: الحمد والمدح والشّكر ألفاظ متقاربة المعنى، كما أنّ مقابلاتها وهي الذّمّ والهجاء والكفران كذلك. وقيل: الأوّلان مترادفان. وقيل: بل الحمد أخصّ منه، لأنّه مختصّ بالاختياريّ. وقيل:
الأخيران مترادفان، فيقال: الحمد للّه شكرا، فنصبه على المصدريّة يقتضي وضع أحدهما موضع الثّاني، فإذا كان الحمد يقع موقع الشّكر، فالشّكر هو الاعتراف بالنّعمة مع ضرب من التّعظيم.
والحقّ أنّ بين الحمد والشّكر تعاكسا في العموم والخصوص، بحسب المورد والمتعلّق، فإنّ"مورد الحمد"