فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 811
مفعولان، يتعلّق بأحدهما على الكيفيّة الأولى، وبالآخر على الثّانية أو الثّالثة، كما في قولك: حدّثني الحديث، وسألني المال، فإنّ التّحديث مع كونه فعلا واحدا قد تعلّق بك على الكيفيّة الثّانية، وبالحديث على الأولى، وكذا السّؤال، فإنّه فعل واحد، وقد تعلّق بك على الكيفيّة الثّانية وبالمال على الأولى.
ولا ريب في أنّ اختلاف هذه الكيفيّات الثّلاث، وتباينها واختصاص كلّ من المفاعيل المذكورة بما نسب إليه منها، ممّا لا يتصوّر فيه تردّد ولا نكير، وإن كان لا يتّضح حقّ الاتّضاح، إلّا عند التّرجمة والتّفسير، وأنّ مدار ذلك الاختلاف ليس إلّا اختلاف الفعل أو اختلاف المفعول، وإذ لا اختلاف في مفعول الحمد والمدح، تعيّن أنّ اختلافهما في كيفيّة التّعلّق، لاختلافهما في المعنى قطعا.
هذا، وقد قيل: المدح مطلق عن قيد الاختيار، يقال: مدحت زيدا على حسنه ورشاقة قدّه، وأيّا مّا كان فليس بينهما ترادف، بل أخوّة من جهة الاشتقاق الكبير، وتناسب تامّ في المعنى كالنّصر والتّأييد، فإنّهما يتناسبان معنى من غير ترادف، لما ترى بينهما من الاختلاف في كيفيّة التّعلّق بالمفعول، وإنّما مرادف النّصر الإعانة، ومرادف التّأييد التّقوية، فتدبّر.
ثمّ إنّ ما ذكر من التّفسير هو المشهور من معنى الحمد، واللّائق بالإرادة في مقام التّعظيم، وأمّا ما ذكر في كتب اللّغة من معنى الرّضا مطلقا، كما في قوله تعالى:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا الإسراء: 79، وفي قولهم: لهذا الأمر عاقبة حميدة، وفي قول الأطبّاء:
بحران محمود، ممّا لا يختصّ بالفاعل فضلا عن الاختيار، فبمعزل عن استحقاق الإرادة هاهنا استقلالا، أو استتباعا بحمل الحمد على ما يعمّ المعنيين، إذ ليس في إثباته له عزّ وجلّ فائدة يعتدّ بها.
وأمّا الشّكر فهو مقابلة النّعمة بالثّناء وإدآب الجوارح، وعقد القلب على وصف المنعم بنعت الكمال.
[ثمّ استشهد بشعر] فإذن هو أعمّ منهما من جهة، وأخصّ من أخرى. ونقيضه الكفران، ولمّا كان الحمد من بين شعب الشّكر أدخل في إشاعة النّعمة والاعتداد بشأنها، وأدلّ على مكانها لما في عمل القلب من الخفاء، وفي أعمال الجوارح من الاحتمال، جعل الحمد رأس الشّكر، وملاكا لأمره في قوله عليه السّلام:"الحمد رأس الشّكر، ما شكر اللّه عبد لم يحمده".
وارتفاعه بالابتداء، وخبره الظّرف، وأصله النّصب، كما هو شأن المصادر المنصوبة بأفعالها المضمرة الّتي لا تكاد تستعمل معها، نحو شكرا وعجبا، كأنّه قيل:
نحمد اللّه حمدا بنون الحكاية، ليوافق ما في قوله تعالى:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: 4، لاتّحاد الفاعل في الكلّ.
وأمّا ما قيل من أنّه بيان لحمدهم له تعالى، كأنّه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إيّاك نعبد، فمع أنّه لا حاجة إليه ممّا لا صحّة له في نفسه، فإنّ السّؤال المقدّر لا بدّ أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام وتنساق إليه الأذهان والأفهام، ولا ريب في أنّ الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفيّة اللّائقة، لا يخطر ببال أحد أن يسأل عن