فهرس الكتاب

الصفحة 8903 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 810

الصّادق بالملك وبالاستحقاق، لا بالمعنى الأخصّ المقابل لهما، وعلى كلّ، فهي متعلّقة بمحذوف هو الخبر حقيقة.

فالحمد مختصّ باللّه كما أفادته الجملة الاسميّة، سواء أجعلت لام التّعريف فيه للاستغراق كما عليه الجمهور، وهو ظاهر، أم للجنس كما عليه الزّمخشريّ، لأنّ لام (للّه) للاختصاص كما مرّ، فلا فرد منه لغيره، أم للعهد كالّتي في قوله تعالى: إِذْ هُما فِي الْغارِ التّوبة: 40، كما نقله ابن عبد السّلام، وأجازه الواحديّ، على معنى أنّ الحمد- الّذي حمد اللّه به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه- مختصّ به.

والعبرة بحمد من ذكر، فلا فرد منه لغيره، وأولى الثّلاثة الجنس، زاد بعضهم أو للكمال، كما أفاده سيبويه في الدّاخلة على الصّفات كالرّحمان الرّحيم. قال البيضاويّ: إذ الحمد في الحقيقة كلّه له؛ إذ ما من خير إلّا وهو موليه بوسط أو بغير وسط، كما قال: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ النّحل: 53، انتهى.

فإن قيل: بل هو موليه مطلقا بغير وسط.

أجيب بأنّ المراد بالوسط من تصل إليه النّعمة أوّلا، ثمّ تنتقل منه إلى غيره، لا أنّه وسط في التّأثير.

فإن قيل: لم خصّ الحمد باللّه ولم يقل: الحمد للخالق أو نحوه من بقيّة الصّفات؟

أجيب بأن لا يتوهّم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف. (1: 7)

أبو السّعود: الحمد هو النّعت بالجميل على الجميل، اختياريّا كان أو مبدأ له، على وجه يشعر بتوجيهه إلى المنعوت، وبهذه الحيثيّة يمتاز عن المدح، فإنّه خال عنها. يرشدك إلى ذلك ما ترى بينهما من الاختلاف في كيفيّة التّعلّق بالمفعول في قولك: حمدته ومدحته، فإنّ تعلّق الثّاني بمفعوله، على منهاج تعلّق عامّة الأفعال بمفعولاتها، وأمّا الأوّل فتعلّقه بمفعوله منبئ عن معنى الإنهاء، كما في قولك: كلّمته، فإنّه معرب عمّا تفيده لام التّبليغ في قولك: قلت له، ونظيره شكرته وعبدته وخدمته، فإن تعلّق كلّ منها منبئ عن المعنى المذكور.

وتحقيقه: أنّ مفعول كلّ فعل في الحقيقة هو الحدث الصّادر عن فاعله، ولا يتصوّر في كيفيّة تعلّق الفعل به- أيّ فعل كان- اختلاف أصلا. وأمّا المفعول به الّذي هو محلّه وموقعه، فلمّا كان تعلّقه به ووقوعه عليه على أنحاء مختلفة حسبما تقتضيه خصوصيّات الأفعال بحسب معانيها المختلفة، فإنّ بعضها يقتضي أن يلابسه ملابسة تامّة مؤثّرة فيه كعامّة الأفعال، وبعضها يستدعي أن يلابسه أدنى ملابسة. إمّا بالانتهاء إليه كالإعانة مثلا، أو بالابتداء منه كالاستعانة مثلا، اعتبر في كلّ نحو من أنحاء تعلّقه به كيفيّة لائقة بذلك النّحو، مغايرة لما اعتبر في النّحوين الأخيرين.

فنظم القسم الأوّل من التّعلّق، في سلك التّعلّق بالمفعول الحقيقيّ، مراعاة لقوّة الملابسة، وجعل كلّ واحد من القسمين الأخيرين من قبيل التّعلّق بواسطة الجارّ المناسب له، فإنّ قولك أعنته: مشعر بانتهاء الإعانة إليه، وقولك استعنته: بابتدائها منه، وقد يكون لفعل واحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت