فهرس الكتاب

الصفحة 8933 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 840

كان المستحقّ لكلّ أقسام الحمد هو اللّه، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ.

وثالثها: أنّ كلّ إحسان يقدم عليه أحد من الخلق، فالانتفاع به لا يكمل إلّا بواسطة إحسان اللّه، ألا ترى أنّه لو لا أنّ اللّه تعالى خلق أنواع النّعمة، وإلّا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير، وأيضا فلو لا أنّه سبحانه أعطى الإنسان الحواسّ الخمس الّتي بها يمكنه الانتفاع بتلك النّعم، وإلّا لعجز عن الانتفاع بها. ولو لا أنّه سبحانه أعطاه المزاج الصّحيح والبنية السّليمة، وإلّا لما أمكنه الانتفاع بها، فثبت أنّ كلّ إحسان يصدر عن محسن سوى اللّه تعالى، فإنّ الانتفاع به لا يكمل إلّا بواسطة إحسان اللّه تعالى. وعند هذا يظهر أنّه لا محسن في الحقيقة إلّا اللّه، ولا مستحقّ للحمد إلّا اللّه، فلهذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ.

ورابعها: أنّ الانتفاع بجميع النّعم لا يمكن إلّا بعد وجود المنتفع، بعد كونه حيّا قادرا عالما، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلّا من اللّه سبحانه.

والتّربية الأصليّة والأرزاق المختلفة لا تحصل إلّا من اللّه سبحانه من أوّل الطّفوليّة إلى آخر العمر. ثمّ إذا تأمّل الإنسان في آثار حكمة الرّحمان في خلق الإنسان، ووصل إلى ما أودع اللّه تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح، علم أنّها بحر لا ساحل له، كما قال تعالى:

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها النّحل: 18، فبتقدير: أن نسلّم أنّ العبد يمكنه أن ينعم على الغير، إلّا أنّ نعم العبد كالقطرة، ونعم اللّه لا نهاية لها أوّلا وآخرا، وظاهرا وباطنا. فلهذا السّبب كان المستحقّ للحمد المطلق والثّناء المطلق ليس إلّا اللّه سبحانه، فلهذا قال:

الْحَمْدُ لِلَّهِ.

المسألة الثّالثة: إنّما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ ولم يقل:

أحمد اللّه، لوجوه:

أحدها: أنّ الحمد صفة القلب، وربّما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللّفظة حال كونه غافلا بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثّناء، فلو قال في ذلك الوقت:

أحمد اللّه، كان كاذبا، واستحقّ عليه الذّمّ والعقاب، حيث أخبر عن دعوى شي ء مع أنّه ما كان موجودا. أمّا إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فمعناه: أنّ ماهيّة الحمد وحقيقته مسلّمة للّه تعالى. وهذا الكلام حقّ وصدق، سواء كان معنى الحمد والثّناء حاضرا في قلبه، أو لم يكن، وكان تكلّمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة. فظهر الفرق بين هذين اللّفظين.

وثانيها: روي أنّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام يأمره بالشّكر، فقال داود: يا ربّ وكيف أشكرك؟ وشكري لك لا يحصل إلّا أن توفّقني لشكرك، وذلك التّوفيق نعمة زائدة، وإنّها توجب الشّكر لي أيضا؛ وذلك يجرّ إلى ما لا نهاية له، ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له. فأوحى اللّه تعالى إلى داود: لمّا عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني.

إذا عرفت هذا فنقول: لو قال العبد:"أحمد اللّه"كان دعوى أنّه أتى بالحمد والشّكر، فيتوجّه عليه ذلك السّؤال. أمّا لو قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فليس فيه ادّعاء أنّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت