فهرس الكتاب

الصفحة 8934 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 841

العبد أتى بالحمد والثّناء، بل ليس فيه إلّا أنّه سبحانه مستحقّ للحمد والثّناء، سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه، فظهر التّفاوت بين هذين اللّفظين من هذا الوجه.

وثالثها: أنّه لو قال:"أحمد اللّه"، كان ذلك مشعرا بأنّه ذكر حمد نفسه، ولم يذكر حمد غيره. أمّا إذا قال:

الْحَمْدُ لِلَّهِ، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أوّل خلق العالم إلى آخر استقرار المكلّفين في درجات الجنان ودركات النّيران، كما قال تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10، فكان هذا الكلام أفضل وأكمل.

المسألة الرّابعة: اعلم أنّ هذه الكلمة مذكورة في أوّل سور خمس، أوّلها: الفاتحة، فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

وثانيها: في أوّل هذه السّورة، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ والأوّل أعمّ، لأنّ العالم عبارة عن كلّ موجود سوى اللّه تعالى، فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يدخل فيه كلّ موجود سوى اللّه تعالى.

أمّا قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لا يدخل فيه إلّا خلق السّماوات والأرض والظّلمات والنّور، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات، فكان التّحميد المذكور في أوّل هذه السّورة كأنّه قسم من الأقسام الدّاخلة تحت التّحميد المذكور في سورة الفاتحة، وتفصيل لتلك الجملة.

وثالثها: سورة الكهف، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وذلك أيضا تحميد مخصوص بنوع خاصّ من النّعمة، وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن، وبالجملة: النّعم الحاصلة بواسطة بعثة الرّسل.

ورابعها: سورة سبأ وهي قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وهو أيضا قسم من الأقسام الدّاخلة تحت قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.*

وخامسها: سورة فاطر، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وظاهر أيضا أنّه قسم من الأقسام الدّاخلة تحت قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ،* فظهر أنّ الكلام الكلّيّ التّامّ هو التّحميد المذكور في أوّل الفاتحة، وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.*

وذلك لأنّ كلّ موجود فهو إمّا واجب الوجود لذاته، وإمّا ممكن الوجود لذاته. وواجب الوجود لذاته واحد؛ وهو اللّه سبحانه وتعالى، وما سواه ممكن، وكلّ ممكن.

فلا يمكن دخوله في الوجود إلّا بإيجاد اللّه تعالى وتكوينه، والوجود نعمة، فالإيجاد إنعام وتربية، فلهذا السّبب قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ،* وأنّه تعالى المربّي لكلّ ما سواه، والمحسن إلى كلّ ما سواه، فذلك الكلام هو الكلام الكلّيّ الوافي بالمقصود. أمّا التّحميدات المذكورة في أوائل هذه السّور، فكان كلّ واحد منها قسم من أقسام ذلك التّحميد، ونوع من أنواعه. (12: 142)

القرطبيّ: بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه، وإثبات الألوهيّة، أي أنّ الحمد كلّه له فلا شريك له.

فإن قيل: فقد افتتح غيرها بالحمد للّه، فكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت