فهرس الكتاب

الصفحة 8937 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 844

فما بالك بالعارفين الغارقين في بحار العرفان، وهم القوم كلّ القوم. والّذي حقّقه السّالكوتيّ وجرينا عليه في الفاتحة، أنّ الاستحقاق الذّاتيّ ما لا يلاحظ معه خصوصيّة صفة حتّى الجميع، لا ما يكون الذّات البحت مستحقّا له، فإنّ استحقاق الحمد ليس إلّا على الجميل.

وسمّي ذاتيّا لملاحظة الذّات فيه من غير اعتبار خصوصيّة صفة، أو لدلالة اسم الذّات عليه، أو لأنّه لمّا لم يكن مسندا إلى صفة من الصّفات المخصوصة كان مسندا إلى الذّات.

وذكر بعض محقّقي المتأخّرين كلاما في هذا المقام ردّ به فيما عنده على كثير من العلماء الأعلام.

وحاصله: أنّ اللّام الجارّة في (للّه) لمطلق الاختصاص دون الاختصاص القصريّ على التّعيين، بدليل أنّهم قالوا في مثل"له الحمد": إنّ التّقديم للاختصاص القصريّ، فلو أنّ اللّام الجارّة تفيده أيضا لما بقي فرق بين: الحمد للّه، وله الحمد، غير كون الثّاني أوكد من الأوّل في إفادة القصر. والمصرّح به التّفرقة بإفادة أحدهما القصر دون الآخر، وأنّ الاختصاصات على أنحاء، وتعيين بعضها موكول إلى العلّة الّتي يترتّب عليها الحكم، وتجعل محمودا عليه غالبا وغيرها من القرائن، فإذا رأيت الحكم على أوصافه تعالى المختصّة به سبحانه وتعالى، وجب كون الحمد مقصورا عليه تعالى، فيحمل الحكم المعلّل على القصر ليطابق المعلول علّته.

ومع ذلك، إذا كانت الأوصاف المختصّة به عزّ وجلّ ممّا يدلّ على كونه عزّ شأنه منعما على عباده، وجب كون الحمد حقّا للّه تعالى واجبا على عباده سبحانه، فيحمل الحكم المعلّل على الاستيجاب للتّطابق أيضا، وإذا لم يعلّل الحكم بشي ء، أو قطع النّظر عن العلّة الّتي رتّب عليها الحكم، فإنّما يثبت في الحكم أدنى مراتب الاختصاص الّذي هو كونه تعالى حقيقا بالحمد، مجرّدا عن القصر والاستيجاب.

ويعضد ما أشير إليه اختلاف عبارات العلّامة البيضاويّ في بيان مدلولات جمل الحمد، وأنّ المراد من الاستيجاب الّذي جعله بعض النّحاة من معاني اللّام، ما هو بمنزلة مطلق الاختصاص الّذي قرّره، لا المعنى الّذي رمز إليه، فعلى هذا يكون مفهوم جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ فيما نحن فيه، أنّه تعالى حقيق بالحمد، ولا دلالة فيها من حيث هي هي، مع قطع النّظر عن المحمود عليه الّذي هو علّة الحكم على قصر الحقيقيّة بالحمد عليه سبحانه وتعالى، ولا على بلوغها حدّ الاستيجاب.

نعم في ترتّب الحكم على ما في حيّز الصّفة، تنبيه على كون الحمد حقّا للّه تعالى، واجبا على عباده، مختصّا به عزّ شأنه، مقصورا عليه سبحانه؛ حيث إنّ ترتّب الحكم- كما قالوا- على الوصف، يشعر بمنطوقه بعلّيّة الوصف للحكم، وبمفهومه بانتفاء الحكم عمّن ينتفي عنه الوصف.

ثمّ قال: وبالجملة إنّ جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ مدّعى ومدلول. وقوله سبحانه وتعالى: الَّذِي خَلَقَ إلخ دليل وعلّة، وليس هناك إلّا حمد واحد معلّل بما في حيّز الوصف، لاحمد معلّل بالذّات المستجمع لجميع الصّفات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت