فهرس الكتاب

الصفحة 8936 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 843

للمخبر عن غيره لغة من متعلّق إخباره اسم قطعا، فلا يقال لقائل:"زيد له القيام": قائم، واللّازم باطل، فيبطل الملزوم. ولا يلزم هذا على تقدير كونها إنشائيّة، فإنّ الإنشاء يشتقّ منه اسم فاعل صفة للمتكلّم به، فيقال لمن قال: بعت: بائع.

واعترض بأنّه لا يلزم من كلّ إنشاء في ذلك، وإلّا لقيل: لقائل ضرب: ضارب واللّه تعالى شانه القائل:

وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ البقرة: 233، مرضع، بل إنّما يكون ذلك، إذا كان إنشاء لحال من أحوال المتكلّم، كما في صيغ العقود. ولا فرق حينئذ بينه وبين الخبر فيما ذكر.

والّذي عليه المحقّقون جواز الاعتبارين في هذه الجملة، وأجابوا عمّا يلزم كلّا من المحذور.

نعم رجّح هنا اعتبار الخبريّة، لما أنّ السّورة نزلت لبيان التّوحيد وردع الكفرة، والإعلام بمضمونها على وجه الخبريّة يناسب المقام، وجعلها لإنشاء الثّناء لا يناسبه.

وقيل: إنّ اعتبار خبريّتها هنا ليصحّ عطف ما بعد (ثمّ) الآتي عليها. ومن اعتبر الإنشائيّة ولم يجوّز عطف الإنشاء على الإخبار، جعل العطف على صلة الموصول أو على الجملة الإنشائيّة، بجعل المعطوف لإنشاء الاستبعاد والتّعجّب. ولا يخفى ما في ذلك من التّكلّف والخروج عن الظّاهر.

وفي تعليق الحمد أوّلا باسم الذّات، ووصفه تعالى ثانيا بما وصف به سبحانه، تنبيه على تحقّق الاستحقاقين، تحقّق استحقاقه عزّ وجلّ الحمد باعتبار ذاته جلّ شأنه، وتحقّق استحقاقه سبحانه وتعالى باعتبار الإنعام المؤذن به ما في حيّز الموصول الواقع صفة. ومعنى استحقاقه- سبحانه وتعالى- الذّاتيّ عند بعض، استحقاقه جلّ وعلا الحمد بجميع أوصافه وأفعاله، وهو معنى قولهم: إنّه تعالى يستحقّ العبادة لذاته، وأنكر هذا صحّة توجّه التّعظيم والعبادة إلى الذّات من حيث هي.

وقد صرّح الإمام في شرح"الإشارة"عند ذكر مقامات العارفين، أنّ النّاس في العبادة ثلاث طبقات:

فالأولى: في الكمال والشّرف، الّذين يعبدونه سبحانه وتعالى لذاته لا لشي ء آخر. والثّانية: وهي الّتي تلي الأولى في الكمال، الّذين يعبدونه لصفة من صفاته، وهي كونه تعالى مستحقّا للعبادة.

والثّالثة: وهي آخر درجات المحقّقين، الّذين يعبدونه لتكمل نفوسهم في الانتساب إليه. ولا يشكل تصوّر تعظيم الذّات من حيث هي، لأنّه- كما قال الشّهاب- لو وقع ذلك ابتداء قبل التّعقّل بوجوه الكمال كان مشكلا، أمّا بعد معرفة المحمود جلّ جلاله بسمات الجمال، وتصوّره بأقصى صفات الكمال، فلا بدع أن يتوجّه إلى تمجيده تعالى وتحميده عزّ شأنه مرّة أخرى بقطع النّظر عمّا سوى الذّات بعد الصّعود بدرجات المشاهدات. ولذا قال أهل الظّاهر:

صفاته لم تزد معرفة ... لكنّها لذّة ذكرناها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت