فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 846
الحمد باعتبار الذّات المستجمع لجميع الصّفات، فلعلّ منشأه هو أنّ الحمد لمّا اقتضى وصفا جميلا صالحا، لأن يترتّب عليه الحكم باستحقاق الحمد، ويكون محمودا عليه، فحيث لم يذكر معه وصف كذلك، ولم يدلّ عليه قرينة، بل اكتفى بذكر الذّات المتّصف بجميع الصّفات الجميلة، ثبت اعتبار الوصف الجميل هناك اقتضاء.
ثمّ من أجل أنّ تعيين البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم التّرجيح بلا مرجّح، يلزم اعتبار الصّفات الجميلة برمّتها، فيكون الحمد باعتبار جميعها، وحيث ذكر معه وصف جميل صالح لأن يكون محمودا عليه، ودلّ عليه بعينه قرينة، استغني عن ذلك الاعتبار، لأنّ المصير إليه كان عن ضرورة، ولا ضرورة حينئذ، كما لا يخفى.
ومن لم يهتد إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصد، وما وقع في خطب الكتب لمجرّد التّيمّن، ولا إلى الفرق بين ما ذكر فيه المحمود عليه صريحا، أو دلّت عليه بعينه قرينة، وبين ما لم يكن كذلك، ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، فخلط مقتضيات بعض المقامات ببعض، ولم يدر أنّ كلام اللّه تعالى على أيّ شرف، وكلام غيره في أيّ واد.
وقصارى الكلام، أنّ ترتّب الحكم الّذي تضمّنته جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ* هنا، على الوصف المختصّ به سبحانه من خلق السّماوات والأرض وما عطف عليه، يفيد الاختصاص القصريّ على الوجه الّذي تقدّم، ويشير إلى ذلك كلام العلّامة البيضاويّ في تفسيره الآية لمن أمعن النّظر.
إلّا أنّ ما ذكره عليه الرّحمة في أوّل سبأ من الفرق بين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وبين وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ سبأ: 1، ممّا محصّله أنّ جملة لَهُ الْحَمْدُ جي ء بها بتقديم الصّلة، ليفيد القصر، لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصّا به تعالى، بخلاف جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ إلخ فإنّها لم يجئ بها بتقديم الصّلة حتّى لا يفيد القصر، لعدم كون الإنعام مختصّا به تعالى مطلقا، بحيث لا مدخل فيه للغير؛ إذ يكون بتوسّط الغير، فيستحقّ ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب وساطته آب عنه. إذ حاصل ما ذكره في تلك السّورة، هو أنّه لا قصر في جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ بخلاف جملة لَهُ الْحَمْدُ.
وحاصل ما أشار إليه في هذه، وكذا في الفاتحة، هو أنّ جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ إذا رّتّب على الأوصاف المختصّة كالخلق والجعل المذكورين مفيد للقصر أيضا، غاية ما في البال، أنّ طريق إفادة القصر في البابين متغاير، ففي إحداهنّ تقديم الصّلة وفي الأخرى مفهوم العلّة، فتدبّر ذاك، واللّه تعالى يتولّى هداك. (7: 77)
رشيد رضا: افتتح اللّه تعالى كتابه بالحمد، ثمّ افتتح به أربع سور مكّيّات أخرى، مشتملة كلّ منها على دعوة الإسلام ومحاجّة المشركين فيها، الأولى الأنعام، وهي آخر سورة كاملة في آخر الرّبع الأوّل من القرآن، والكهف، وهي أوّل سورة في أوّل الرّبع الثّالث، وسبأ، وفاطر، وهما آخر الرّبع الثّالث، وليس في الرّبع الثّاني